هذه الرحلة . . يفهم بها الماضي وينظر إلى الحاضر بمنظارها ويبني المستقبل على
ضوئها .
ولهذا الأمر دعا القرآن ونادى العقل بضرورة قراءة التاريخ ، لأن الدراسة
الواعية للتاريخ تكشف السياق الزمني الذي يسير على ضوئه الحاضر ( الغائب )
عن الأبصار ، وعلى أساسها أيضا تتشكل المحددات الأولى لصياغة المستقبل .
من هنا كان لزاما على المنصفين أن يفهموا التاريخ بملاحظة هذه المعاني ، لأن
قراءته من دون هذه المعاني تعني أن تكون هذه الدراسة مطية للأهواء المذمومة ،
ومطبعة للأفكار المسمومة ، وسوقا يتشابه على المشتري فيه الصالح والفاسد .
وحينها تقع الكارثة . . حيث ينقطع الإنسان عن تاريخه ، والمنقطع عن
التاريخ كمن لا أصل له . . ولا يخفى أن الأصل يمده بالتجربة ويصحح له
المسيرة ويوحي إليه بصحة المعتقد .
ولا تسأل عزيزي القارئ ماذا يحصل بعدئذ لهذا الإنسان ؟ .
إن دواعي المصلحة تعمي عينيه ، فيقرأ التاريخ قراءة مغلوطة ، يخطئ
الصحيح ، ويصحح الخطأ ، ويسود على طبق ذلك آلاف الأوراق ليثبت مدعاه ،
لا سيما وأن المال يدعمه ، وصقل الأوراق يجمله ، وحسن الأغلفة يبرزه ، فيغتر
بذلك كل من يقرأ تاريخه اعتباطا بلا تحليل وبلا مقارنة ، حتى يقع بشعور أو
لا شعور في الجمع بين أحداث متناقضة تاريخيا لا يجتمع أحدها بالآخر على
الاطلاق .
إن أفضل ما يمكن أن نطبق عليه ما تقدم هو تاريخ التجربة الإسلامية الأولى في
مجال الدولة وبناء المجتمع وتحديدا العقيدة ، إذ ينبغي أن لا يكون للعصبية مجال
في الحكم على ذلك ، وإنما القول الفصل ندعه للحقيقة التي يسطع بها التاريخ
منسجمة مع السياق الإسلامي العام الذي جاء ذكره في آيات الذكر الحكيم وفي
روايات النبي والأئمة المعصومين ( ع ) .
وهذا ما حاول كاتب هذه الدراسة الوصول إليه . وأحسبه وفق كثيرا إلى
لقد شيعني الحسين ( ع ) — صفحة 8
مساهمون: إدريس الحسيني المغربي
ص٨