وتولى في عهد عثمان بيت المال في الكوفة في إمارة سعد بن أبي وقاص . وبدأت
الأزمة مع عثمان ، لما ولي الوليد بن عقبة ، حيث استقرض من بيت المال ، فلما
جاء الأجل ، رجع إليه ابن مسعود ، فراح يتهرب من الأداء ، فأصر عليه ابن
مسعود ، فشكاه الوليد إلى عثمان ، وكتب عثمان إلى ابن مسعود :
( إنما أنت خازن لنا ، فلا تعرض الوليد فيما أخذ من بيت المال ) فغضب ابن
مسعود ، واعتزل ، وكانت تلك بداية الخلاف بين الرجلين . وحيث إن ابن
مسعود اعتزل إلى التعليم والتدريس ، وكان له مصحفه الخاص . فإن عثمان
كان قد طلب منه مصحفه ليحرقه . وقد رفض ابن مسعود بدعة عثمان في حرق
المصاحف ككل ، واعتماد مصحفه الوحيد . وابن مسعود كان يرى نفسه أحفظ
لكتاب الله وأعلم به من عثمان وعصابته ، والسيرة تشهد له بذلك . فأبى أن يسلم
مصحفه ، ونعى ذلك على عثمان . ولما كتب الوليد إلى عثمان بخصوص ابن
مسعود وطعنه فيه ، طلب منه إحضاره إلى المدينة . فلما رآه عثمان وكان يخطب من
على المنبر ، قال : ألا إنه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقئ
ويسلح . فقال ابن مسعود : لست كذلك ، ولكني صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله
يوم بدر ويوم بيعة الرضوان . ونادت عائشة أي عثمان أتقول هذا لصاحب رسول
الله صلى الله عليه وآله ثم أمر عثمان به فأخرج من المسجد عنيفا ، وضرب به الأرض فدقت
ضلعه . فلامه علي ( ع ) على ذلك ، وقال له : تفعل هذا بصاحب رسول
الله صلى الله عليه وآله عن قول الوليد ، فقال عثمان : ما من قول الوليد فعلت هذا ، ولكني
أرسلت زبير بن كثير فسمعه يحل دمي . قال علي : زبير غير ثقة .
بقي ابن مسعود غاضبا على عثمان حتى مات وأمر أن لا يصلي عليه ، فدفن
سرا ، وقام بجنازته عمار بن ياسر كما سبق أن ذكرنا . وكان عثمان قد قطع العطاء
عن ابن مسعود حتى لما مر بابن مسعود أحس عثمان بالذنب ، أتاه يطلبه ، قال :
ما تشتهي ، قال له ابن مسعود : رحمة ربي . قال عثمان : هل أحضر لك
طبيبا ، قال ابن مسعود : الطبيب أمرضني . فقال له عثمان : أرد عليك عطاءك ،
فقال : حبسته عني حين احتجت إليه ، وترده إلي حين لا حاجة لي به ، فقال
عثمان : يكون لأهلك . فقال ابن مسعود : رزقهم على الله . قال
لقد شيعني الحسين ( ع ) — صفحة 206
مساهمون: إدريس الحسيني المغربي
ص٢٠٦