فإن الغذاء يسرى في جميع أجزاء المتغذى كلها ) هذا التشبيه للخلة بالتغذي كما ذكر ، فإن المتخللين يتخلل كل منهما بجمعية وجوده وأحدية جمعه حقيقة بالآخر ، كالغذاء الساري بحقيقته في جميع أجزاء المتغذى ( وما هنالك أجزاء ، فلا بد أن يتخلل جميع المقامات الإلهية المعبر عنها بالأسماء ، فتظهر بها ذاته جل وعلا ) إشارة إلى الفرق بين المشبه والمشبه به ، فإن الحق الذي تخلله إبراهيم ليس بذى أجزاء ، فجعل الأسماء الإلهية في العقود بمثابة الأجزاء في المتغذى ، فلا بد أن يظهر الحق في صورة إبراهيم بجميع أسمائه وصفاته ، فيختفى إبراهيم عليه السلام فيه :
( فنحن له كما ثبتت
أدلتنا ونحن لنا )
لما ثبتت أدلتنا العقلية لأنا ملكه ، وأدلتنا الكشفية أن صور أعياننا صفاته ، وصفاتنا أسماؤه ، ونسبة الذاتية وشئونه ووجوداتنا الظاهرة وأنياتنا وجوده ، ونحن من حيث أعياننا لنا فإنا من هذه الحيثية حقائق موجودة في الغيب ، واشخاص قائمة بأنفسها لا حكم علينا إلا منا :
( وليس له سوى كونى
فنحن له كنحن بنا )
أي ليس له كون يظهر به إلا الإنسان الجامع الكامل والإنسان المفصل وهو العالم ، فنحن له في ظهوره بنا ومظهر يتناله ، كنحن بنا بأعياننا أو وحقائقنا ، أو نحن له بوجوداتنا وأنياتنا كنحن بنا بأعياننا وخصوصياتنا وأحكامنا ، ودخول الكاف على الضمير المرفوع المنفصل لأن المراد به الكلام أي نحن له كلام مثل هذا الكلام ، وهو نحن بنا أي نحن من وجه قائمون به عباد له ومظاهر ، ومن وجه قائمون بأنفسنا حاكمون علينا ، وفسر هذا المعنى بقوله :
( فلي وجهان هو وأنا
وليس له أنا بأنا )
شرح
( أجزاء المتغذى كلها ) فوجب للخليل بهذه المرتبة أن يسرى الحق ( وما هنالك ) أي في الحق ( أجزاء ) إذ هي محال عليه بل فيه أسماء وصفات ( فلا بد أن يتخلل جميع المقامات الإلهية ) ومجوز أن يكون فإذن الشرط وجوابه فلا بد ، فإذا كان الأمر كما قلنا فنحن له كما ثبتت اه .
قوله ( فنحن له ) هذا ناظر إلى أن المتخلل اسم فاعل وهو العبد ، والمتخلل اسم مفعول هو الحق ، فيكون العبد غذاء الحق . قوله ( ونحن لنا ) ناظر إلى عكس الأمر المذكور فيكون الحق غذاء العبد ( فنحن له ) ناظر إلى تخلل العبد وجود الحق وكون العبد غذاءه ( كنحن بنا ) ناظر إلى تخلل الحق وجود العبد وكون الحق غذاءه فمعناه كما أن الوجود في مقام نحن له الحق لا لنا ، وهو مقام كون العبد باطنا والحق طاهرا كذلك في مقام نحن لنا وهو عكس الأمر الوجود للحق لا لنا ، وبهذا المعنى صرح بقوله ( وليس له سوى كونى ) فأثبت أن الوجود له في هذا المقام أيضا فإذا ثبت في حقنا نحن له ونحن لنا اه بالى .
( فلي وجهان هو ) فبهذا الوجه كنا نحن له فلا تعين لنا لأن التعين تابع الوجود والوجود له لا لنا ( وأنا ) وبهذا الوجه كنا نحن لنا فكان الحق عيننا بإفاضة الوجود علينا فنحن لنا لكن به ، وأما أنية الحق وهي به لا بنا فصار تعيننا بسبب الحق ( فليس له أنا بأنا ) أي ليس تعين الحق بسببنا لأن التعين تبع الوجود وكان وجوده