( وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلا بنا ، لا بل نحن نحكم علينا بنا ، ولكن فيه ) الحق أن لا يحكم علينا إلا بما فينا من أحوال أعياننا ، بل الحاكم والمحكوم عليه واحد كما مر ، فنحن نحكم على أعياننا الظاهرة بما فيها من حيث هي باطنة ثابتة بالتعين العلمي ، في الوجود الحق المطلق ( فلذلك قال - * ( فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) * - يعنى على المحجوبين ، إذا قالوا للحق : لم فعلت بنا كذا وكذا مما لا يوافق أغراضهم ) فيقول على لسان المالك - * ( لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ ) * - أي بالذي هو مقتضى أعيانكم والذي سألتموه بلسان استعدادكم ، كقوله - * ( وما ظَلَمْناهُمْ ولكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ) * - ( فكشف بهم عن ساق ) وفي نسخة : فيكشف لهم الحق عن ساق ( وهو ) شدة الأمر الذي اقتضاء أعيانهم على خلاف ما توهموه ، وهو ( الأمر الذي كشفه العارفون هنا ، فيرون ) هناك بالحقيقة رأى العين ( أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه أنه فعله ) بل فعلوه بأعيانهم وأنفسهم ( و ) يتحققون ( أن ذلك منهم فإنه ما علمهم إلا على ما هم عليه ) في حال ثبوت أعيانهم ( فتندحض حجتهم وتبقى الحجة لله البالغة فإن قلت : فما فائدة قوله - * ( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) * - قلنا لو شاء ، لو حرف امتناع لامتناع ، فما شاء إلا ما هو الأمر عليه ) معنى السؤال : أن المشيئة الأولى الذاتية التي اقتضت الأعيان اقتضت ضلال الضال وهداية المهتدى ، فكان قولهم - * ( لَوْ شاءَ الله ما أَشْرَكْنا ولا آباؤُنا ) * - قولا حقا ، وقوله تعالى - * ( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) * - مقرر له ، فكيف يقوم جوابا لهم ومعنى الجواب أن لو حرف وضع للملازمة مع امتناع التالي الذي هو وجود الهداية ، فيستلزم عدم مشيئته الذاتية الأقدسية الموجبة لتنوع الاستعدادات ، فما شاء إلا هداية البعض وضلال البعض على ما هو الأمر عليه ، وأما قولهم - * ( لَوْ شاءَ الله ما أَشْرَكْنا ) * - فهو كقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، حين سمع قول الخوارج : لا حكم إلا لله : كلمة حق يراد بها باطل ، فإن المشركين لما سمعوا قول المؤمنين ما شاء الله ، كأن قالوا ذلك تعنتا وإلزاما لا عن عقيدة وعلم وإلا كانوا موحدين ، ولذلك قال تعالى في جوابهم - * ( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ من عِلْمٍ فَتُخْرِجُوه لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ) * - وقال - * ( ولَوْ شاءَ الله ما أَشْرَكُوا ) * - ( ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأي الحكمين المعقولين وقع ذلك هو الذي كان عليه الممكن
شرح
( وبالكشفين معا ) يحصل لنا العلم ، بأنه ( ما يحكم علينا إلا بنا ) بسبب طلبنا ذلك الحكم منه لكن يظهر ذلك الحكم فينا هذا ناظر إلى الكشف الأول ( لا ) أي لا يحكم الحق بحكم من الأحكام علينا ( بنا بل نحن نحكم علينا بنا ) أي الحاكم علينا بنا نحن ( ولكن ) ذلك الحكم يظهر ( فيه ) أي في مرآة الحق هذا ناظر إلى الكشف الثاني ، فمن جمع بينهما بحيث لا يحجب أحدهما عن الآخر فهو الواصل إلى درجة الكمال في رتب العلم باللَّه ( ولذلك ) أي ولأجل أن كون الحكم علينا منا لا من الله ، وأن ما فعل الله بنا إلا ما نحن نفعل بأنفسنا ( قال تعالى - فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) * - ) فأمكن عند العقل هداية كل ممكن ، لأن العقل قاصر عن إدراك الشيء على ما هو عليه ، فجاز أن يكون الشيء الواحد ممتنعا في نفسه ، وممكنا عند العقل ( وأي الحكمين المعقولين ) من الهداية وعدمها ( وقع ذلك ) الحكم المعقول ( هو الذي كان عليه الممكن