ظاهر غنى عن الشرح ( فإذا فهمت أن العلى ما ذكرناه ، علمت أنه ليس علو المكان ولا علو المكانة ) أي إذا علمت أن العلى لنفسه أي بالعلو الذاتي ما ذكرناه ، علمت أن علوه ليس علو المكان ولا علو المكانة ( فإن علو المكانة يختص بولاية الأمر كالسلطان والحكام والوزراء والقضاة وكل ذي منصب ، سواء كانت فيه أهلية ذلك المنصب أو لم تكن ، والعلو بالصفات ليس كذلك فإنه قد يكون أعلم الناس يتحكم فيه من له منصب التحكم وإن كان أجهل الناس ، فهذا أعلى المكانة بحكم التبع ما هو علىّ في نفسه ، فإذا عزل زالت رفعته والعالم ليس كذلك ) هذا دليل على الفرق بين العلو الذاتي والعلو التبعي الذي هو بواسطة المكان أو المكانة ، وقد بينه في علو المكانة فإنه أرفع ليعلم منه الفرق بين الذاتي والتبعي ، وذلك أن العلو التبعي عرضى يزول بزوال متبوعه كما ذكر ، وأما الذاتي فلا يمكن زواله فيكون أعلى مراتب العلو وقد تمثل بالعلو الوصفي الذي هو دونه ، فإنه إذا كان الوصف لازما كان العلو ممتنع الزوال ، فمن كان أعلم كان أعلم بالصفة النفسية لا بالتبعية ، فما ظنك بمن هو أعلى بالذات ؟ قد يجتمع أنواعه من العلو بالذات والصفة والمكانة والمكان ، كما في الحق تعالى ، فإن له أعلى المكانات والمراتب وأعلى الأماكن ، وإن كان المكان في حقه مجازا كالعرش ، وأما علوه بالذات والصفات فظاهر ، وللإنسان الكامل أوفر نصيب منها كادريس عليه السلام في شرف ذاته وعلوها ، وكمال علمه ومكانة نبوته ومكانه ، في قوله - * ( ورَفَعْناه مَكاناً عَلِيًّا ) * - اللهم ارزقنا حظا وافرا ونصيبا كاملا منها بفضلك يا أرحم الراحمين .
( 5 ) فص حكمة مهيمية في كلمة إبراهيمية
إنما خصت الكلمة الإبراهيمية بالحكمة المهيمية ، لأن التهييم من الهيمان وهو شدة الوله الذي هو العشق بأن تجلى له الحق بجلال جماله ، أي بكمال الذات الأحدية بجميع الصفات مع بقاء حجاب أنيته ، فهام لقوة انحيازه إلى المحبوب من كل وجه ، فلا ينحاز إلى جهة تعينه وتقيده لما قبل من نور الذات جميع الصفات بقابلية العينية ، وهي معنى الخلة الدالة على تخلل المحبوب محبة وتخلق المحب بأخلاقه فإن إبراهيم خليل الله كان أول من كوشف بالذات ، ولولا بقية قابليته لارتفع عنه الهيمان الموجب لتركه أباه وولده وماله ، ولتحقق بالأحدية الموهوبة لمحمد حبيب الله عليه الصلاة والسلام ، فإنه تبعه في الاتصاف بجميع الصفات مع
شرح
( أن العلى ما ذكرناه ) وهو قوله فالعلى لنفسه ( علمت أنه ) أي أن العلو المسمى الله ( ليس علو المكان ولا علو المكانة ) أي ليس سببا لعلو المكان والمكانة وإن وجدا فيه بل سبب علوه ذاته ، فعلوه بهما عين علوه الذاتي ، إذ هما من جملة الكمالات استغرق الذات بها ، فالعلو الذاتي هو المسمى الله خاصة ( فإن علو المكانة ) أي العلو الذي المكانة سبب له في الدنيا ( يختص ) بما في عالم الشهادة من جنس الإنسان فلا ينافي قوله علو المكان بالعمل وعلو المكانة بالعلم بولاة الأمر اه بالى .