حال مريم وكونها متبتلة منقطعة إلى الله حصورا ، وكانت آيته عند البشارة بالولد الصمت والذكر والحبسة في اللسان من غير ذكر الله . جاء يحيى على صورة باطنه من غلبة أحكام الجلال على أحكام الجمال ، حصورا مداوما على الذكر والخشية فإن الولد سر أبيه ، وقد حكم حاله على حاله حتى تحكمت عليه الأعداء بحكم القهر والجلال ، حتى تحكمت على يحيى عليه السلام ( ثم إنه تعالى بشره بما قدمه من سلامه عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ، فجاء بصفة الحياة وهي اسمه ، وأعلمه بسلامه عليه وكلامه صدقه فهو مقطوع به وإن كان قول الروح - * ( والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) * - أكمل في الاتحاد والاعتقاد وأرفع للتأويلات ) يعنى أن الله بشر بما قدمه على اقترانه من سلامه عليه ، ووصفه بالحياة التي هي صورته الذاتية واسمه الذي يميزه به عن غيره ، وأعلمه بنفسه بالسلام عليه فكان وصفه إياه بذلك أكمل من حيث أن كلامه صدق مقطوع به عن الكل من أهل الحجاب والكشف ، وإن كان قول عيسى عليه السلام - * ( والسَّلامُ عَلَيَّ ) * - أكمل من حيث الاتحاد ، فإن الله هو المسلم على نفسه من حيث تعينه في المادة العيسوية ، ويدل على كمال تمكن عيسى من شهود هذه الأحدية ، وأما سلام الله على يحيى من حيث أن الله هوية لا في مادة يحيى من حيث هويته المطلقة ، فهو أتم وأكمل في الاعتقاد بالنسبة إلى شهود أهل الحجاب ، وأما بالنسبة إلى شهود أهل الذوق فالاتحاد من قبل الحق من كونه تعالى مسلما على نفسه في مادة يحيوية من حيث كون ربه وكيلا له في التسليم عليه أتم وأعم ، ولكن لا يدل على تمكن يحيى من شهود هذه الأحدية إلا أنه أرفع للالتباس الذي عند الجاهل المحجوب ( فإن الذي انخرقت فيه العادة في حق عيسى إنما هو النطق ، فقد تمكن عقله وتكمل في ذلك الزمان الذي أنطقه الله فيه ، ولا يلزم التمكن من النطق على أي حالة كان الصدق فيما به نطق بخلاف المشهود له كيحيى ، فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه أرفع
شرح
( أكمل في الاتحاد ) أي هذا القول أكمل في الدلالة على اتحاد عيسى مع الحق ، فإذا كان قول الحق صدقا مقطوعا به فهذا : أي قول الحق في حق يحيى أكمل في الاتحاد ، أي في الدلالة على اتحاد الحق مع يحيى وأكمل في الاعتقاد في عدم الاحتمال على خلافه ، إذ شهادة الحق على سلامه على العبد أقوى من شهادة العبد على سلامه على نفسه وأرفع التأويلات بخلاف قول عيسى ، فإنه يؤول بأن لسانه لسان الحق وبه نطق وشهد على سلامه على نفسه فشهادته على نفسه شهادة الحق عليه وكلامه صدق ، فاحتاج قول الروح في رفع الالتباس إلى التأويل ، والمقصود أن نص سلامه على عيسى مثل تنصيص سلامه على يحيى ، كخلافة آدم بالنسبة إلى خلافة داود في التنصيص كما مر بيانه اه بالى .
فحاصل المعنى ثم أنه تعالى بشر يحيى بما قدمه بشيء قدمه ذلك الشيء وفضله على سائر الأنبياء ، وذلك الشيء سلام عليه في المواطن الثلاثة تفصيلا ، فإنه لم يقع إلى نبي من الأنبياء ومن قوله من سلامه بيانية - يَوْمَ وُلِدَ ) * - من رحم أمه أو أم الطبيعة - ويَوْمَ يَمُوتُ ) * - بالموت الطبيعي أو الإرادى - ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) * - يوم القيامة أو بالبقاء بعد الفناء ، وإذا كان في هذه المرتبة به ذكر زكريا فجاء بصفة الحياة فيها ، وهي ما أخذ منها اسمه الدال على حياة ذكر زكريا وأعلمه بسلامه وكلامه صدق فهو مقطوع به اه جامى .