المتراخي ( فليس ذلك بصحيح ، وإنما هي تقتضي تقدم الرتبة العلية عند العرب في مواضع مخصوصة ، كقول الشاعر
كهز الرديني ثم اضطرب
وزمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز بلا شك ، وقد جاء بثم ولا مهلة ، كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس زمان العدم عين زمان وجود المثل ، كتجديد الأعراض في دليل الأشاعرة ، فإن مسألة حصول عرش بلقيس من أشكل المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه آنفا في قصته ، فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلا حصول التجديد في مجلس سليمان عليه السلام ) يعنى أن حصول التعينات المتعاقبة وظهور الوجود في صورة عرش بلقيس ، أو ظهور صورة العرش في وجود الحق ، أو تعاقب الوجودات بتعاقب التجليات كلها للحق ، وليس لآصف إلا حصول التجديد في مجلس سليمان ، وذلك أيضا إن كان يقصد منه فهو للحق في مادة آصف ، ولكن لسان الإرشاد والتعليم يقتضي بما رسمه الشيخ قدس سره ( فما قطع العرش مسافة ولا زويت له أرض ولا خرقها لمن فهم ما ذكرناه ، وكان ذلك على يدي بعض أصحاب سليمان ليكون أعظم لسليمان عليه السلام في نفوس الحاضرين من بلقيس وأصحابها ، وسبب ذلك كون سليمان هبة الله لداود من قوله تعالى - * ( ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ) * - والهبة : عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الجزاء الوفاق والاستحقاق ، فهو النعمة السابغة والحجة البالغة والضربة الدامغة ) فهو أي سليمان لداود هو النعمة ، فإن الخلافة الظاهرة الإلهية قد كملت لداود ، وظهرت أكمليتها في سليمان ( وأما علمه فقوله - * ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ) * - مع نقيض الحكم ) أي حكم داود ( وكلا آتاه الله حكما وعلما ، فكان علم داود علما مؤتى آتاه الله ، وعلم سليمان علم الله في المسألة إذ كان هو الحاكم بلا واسطة فكان سليمان ترجمان حق في مقعد صدق ، كما أن المجتهد المصيب لحكم الله الذي يحكم به الله في المسألة لو تولاها بنفسه أو بما يوحى به لرسوله له أجران ، والمخطئ لهذا الحكم المعين له أجر واحد مع كونه علما وحكما فأعطيت هذه الأمة المحمدية رتبة سليمان عليه السلام في الحكم ) أي بالقرآن والحديث ( ورتبة داود في الحكمة ) بالاجتهاد ( فما أفضلها من أمة ، ولما رأت بلقيس عرشها مع علمها ببعد المسافة واستحالة انتقاله في تلك المدة عندها قالت - * ( كَأَنَّه هُوَ ) * - وصدقت بما
شرح
فلا يستعمل ثم مطلقا للمهلة بل قد يكون المرتبة العلية وهنا كذلك ، لأن إعدامه في آن علة لإيجاده في آن آخر ، فكان زمان عدمه عين زمان وجوده ، لأن أقل أجزاء الزمان آفات ، فكما أن زمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس اه بالى .
( الجزاء الوفاق ) أي الجزاء الموافق للأعمال وجزاء الاستحقاق بحسب العمل ، يعنى أن وجود سليمان هبة الله تعالى لداود والفعل الذي حصل على يد بعض أصحابه في بلقيس سليمان هبة الله لسليمان لذلك لم يظهر على يدي نفسه ، إذ لو ظهر لتوهم أن ذلك مقابلة عمله لا بطريق الإنعام ( فهو ) أي ما فعل آصف بالعرش في مجلس سليمان ( النعمة السابقة ) لسليمان ( والحجة البالغة ) على أعيان أمته يوم القيامة ( والضربة الدامغة ) في حق الكفار اه بالى .