التعين هذا إذا نظرت إلى الحقيقة الأحدية قلت الذات أو الحقيقة فحسب ، وإذا نظرت إلى تحققها الذاتي قلت حق وإذا نظرت في مفهوم الحديث ورأيت أن جميع القوى والأعضاء ليست إلا عين العبد ، قلت خلق كله أو حق كله بإحدى النسبتين نسبة الوحدة أو الكثرة ، فإن اعتبرت نسبة الوحدة إلى الكثرة قلت إله ، وإن اعتبرت ظهور الواحد الحق في صورة الكثرة قلت المتجلى هو المتجلى له ، وإن اعتبرت أحدية الجميع نفيت الغير وقلت العين واحدة فإن أحدية جميع الوجود يحكم بنفي السوي ويشهد قوله - * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ) * - فانظر عجائب أمر الله من حيث هويته ، فإنه أحد لا كثرة فيه بحسب ذاته وحقيقته ، وإله واحد من حيث نسبته إلى العالم بالمعاني المختلفة التي هي حقائق الأسماء ، فأعجب ولا تغب عنه في التجليات الغير المتناهية فإنه أمر واحد لا موجود غيره :
( فمن ثمة وما ثمة
وعين ثمة هو ثمة )
استفهم بمن وما عن الحقيقة الأحدية على بصيرة ، لأن الحق عين كل شيء عاقل وغير عاقل ومعنى ثم في الواقع المشهود وعين ثم هو ثمة : أي وعين موجود في الواقع هو نفس الواقع ، إذ الواقع عينه ليس غيره .
( فمن قد عمه خصه
ومن قد خصه عمه )
فمن قال بأنه يعم الكل من حيث كل خصه بأنه عين كل واحد ، ومن قال بأنه خصوصية كل واحد عمه بأنه شمل الكل من حيث هو كل :
( فما عين سوى عين
فنور عينه ظلمه )
يعنى أنه إذا كان عين كل شيء فكل عين عين العبد الأخرى ليس غيرها ، فالنور عين الظلمة ، والظلمة عين النور ، وكذا جميع المتضادات لأنها حقيقة واحدة :
( فمن يغفل عن هذا
يجد في نفسه غمه )
لاحتجابه وجهله فهو مغموم أبدا :
( ولا يعرف ما قلنا
سوى عبد له همه )
أي همة عظيمة : أي همة لا تقنع من الشيء إلا باللب الذي هو الحقيقة ، فلا يقف مع
شرح
( فمن ثم ) أي في الوجود استفهام لأولى العقل ( ومما ثم ) استفهام لغير ذوى العقل ( وعين ثم ) أي في ذوى العقول ( هو ) أي العين الذي في ذوى العقول ( ثمة ) أي في غير ذوى العقول معناه أخبروني عن العقلاء وغير العقلاء أي شيء هما في الوجود ، والحال أن العين الذي في العقلاء هو العين الذي في غير العقلاء ، فليس في الوجود إلا هو لا غير ، والذي ظهر في صورة العقلاء في مرتبة هو الذي ظهر في صورة غير العقلاء في مرتبة أخرى ، فإذا كان كذلك ( فمن قد عمه ) أي الذي عم العين إلى الأفراد المخصوصة ( خصه ) أي خص ذلك العين لا غير إذ العام يقتضي خاصا ليشمله ( ومن قد خصه ) أي جعله خاصا تحت عام ( عمه ) أي عم ذلك العين الذي جعله خاصا إذ الخاص يقتضي العام أيضا لكونهما من الأمور المتضايفة ، فالعين واحدة ظهرت في مرتبة بصورة العموم ، وأخرى بصورة الخصوص ، فالضمائر عائدة إلى العين باعتبار الوجود أو الحق اه بالى .