شيء ، إذ الأحدية الذاتية تقتضي أن لا يكون معه شيء فلا ينظر القلب حينئذ إلا به ولا يرى إلا إياه فلا يحس بنفسه ولا بغيره ( وقلب العارف من السعة كما قال أبو يزيد البسطامي : لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به . وقال الجنيد في هذا المعنى : إن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر ، والقلب يسع القديم كيف يحس بالمحدث موجودا ) هذا معلوم مما مر ، فإن الحق إذا تجلى تحقق قوله - * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ) * - فلا شيء معه ( وإذا كان الحق يتنوع تجليه في الصور ، فبالضرورة يتسع القلب ويضيق بحسب الصورة التي يقع فيها التجلي الإلهي ، فإنه لا يفضل من القلب شيء عن صورة ما يقع فيها التجلي ) قلب العارف يدور مع الحق ليس له حيثية ولا كيفية معينة ، ولا قابلية مخصوصة بشيء دون شيء ، ولا يكون له تقيد بشيء دون شيء بخلاف سائر القلوب فيكون بحسب تجلى الرب إذا تجرد عما سواه فلم يكن فيه سوى الحق ، فعلى أي صورة يتجلى الحق من صغيرة أو كبيرة كان على صورته ، فيتسع ويضيق بحسب الصورة التي يقع التجلي الإلهي فيها ، ولا يفضل عنه شيء عن صورة المتجلى وأما سائر الصور الجزئية فبالعكس ، فإن لكل منها حيثية معينة وكيفية مقيدة وخصوصية مميزة له عن غيره واستعدادا خاصا يقع التجلي بحسبه ، فلا يكون التجلي إلا بحسب قابليته فيتكيف الحق بكيفية التجلي ويتصور بصورته ، وهذا حقيقة تحول الحق في الصور يوم القيامة لأهل المحشر على العموم ، ولذلك يعرفه العارف في أي صورة تجل ويسجد له ويعبده ، وأما غير العارف المحجوب بمعتقده فلا يعرفه إلا إذا تجلى في صورة معتقده ، وإذا تجلى في غير تلك الصورة المعينة أنكره وتعوذ منه ( فإن القلب من العارف أو الإنسان الكامل بمنزلة محل فص الخاتم من الخاتم لا يفضل بل يكون على قدره وشكله من الاستدارة ، إن كان الفص مستديرا أو من التربيع والتسديس والتثمين وغير ذلك من الأشكال ، إن كان الفص مربعا أو مسدسا أو مثمنا أو ما كان من الأشكال ، فإن محله من الخاتم يكون مثله لا غير ، وهذا عكس ما تشير إليه الطائفة من أن الحق يتجلى على قدر استعداد العبد وهذا ليس كذلك ، فإن العبد يظهر للحق على قدر الصورة التي يتجلى له فيها الحق ) هذا مثال لقلب العارف وإشارة إلى أن العارف هيولانى القلب دائم التوجه إلى الحق المطلق بإطلاق قابليته
شرح
نظره إلى الغير وكانت الغيرية مسلوبة في نظره لظهور الحق له في كل شيء ، فما نظر إلى الشيء إلا والحق يظهر له فيه ، وفي الحقيقة لا يسمع نظر القلب إذا نظر إلى الحق مع الحق غير الحق اه لأن القلب يسع تجليات غير متناهية ، والعرش وما حواه يكون متناهيا ، فكيف يحس المتناهي الموجود في زاويته اه ( إن المحدث إذا قرن ) أي إذا تجلى القديم الحادث لم يبق له أثر لفناء وجود الحادث عند القديم اه ( فإنه لا يفضل ) حتى يسع في القلب غيرها معها فيسعها ويضيق غيرها اه بالى .
فحينئذ يتبع التجلي المتجلى له فهذا بالنسبة إلى الفيض المقدس فالمراد بقوله ( وهذا عكس ما تشير ) إعلام منه باختصاص إظهار هذا المعنى بنفسه بالتفرد فيه اه .