قوله ( وما بقي إلا قابل ) اعتراض منه على نفسه كأنه قيل إذا كان الاستعداد والفيض منه فما المستعد القابل فقال ( والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ) وقد فسر الفيض بالتجلي ، فكأنه قال له تجليان ذاتي وهو ظهوره في صورة الأعيان الثابتة القابلة في الحضرة العلمية الأسمائية وهي الحضرة الواحدية ، فذلك الظهور ينزل عن الحضرة الأحدية إلى الحضرة الواحدية وهو فيضه الأقدس أي تجلى الذات بدون الأسماء الذي لا كثرة فيه أصلا فهو الأقدس أي أقدس من التجلي الشهودي الأسمائى الذي هو بحسب استعداد المحل لأن الثاني موقوف على المظاهر الأسمائية التي هي القوابل بخلاف التجلي الذاتي لأنه لا يتوقف على شيء فيكون أقدس ، فمنه الابتداء بالتجلي الذاتي كما ذكر في المقدمة وإليه الانتهاء بالتجلي الشهودي ( فالأمر ) أي الشأن وهو الإيجاد والتصريف والتكميل ( كله منه ابتداؤه وانتهاؤه وإليه يرجع الأمر كله كما ابتدأ منه ) .
قوله ( فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ) جواب لما ، ولما وسط بين لما وجوابه علة المشيئة وانجر الكلام إلى اقتضاء أسمائه تعالى وجود العالم المحتاج إلى الجلاء وجب إيراد فاء السببية في جوابه ، لأن تعليل المشيئة المخصوصة تسبب للجلاء وإن كان لما لم يقتض ذلك لأنها تقتضي مقارنة الشرط والجزاء فحسب فجمع بين السببية والمقارنة ( فكان آدم ) أي حقيقة الإنسان كما ذكر ( عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ) بمناسبة أحدية الجمع فإن الحضرة
شرح
( وما بقي ) شيء من المذكور لم يعلمه حاله ( إلا قابل ) فإنه لما ذكر ولم يبين أنه أثر للحق أم لا لزم بيانه فقال ( والقابل ) أي المادة القابلة التسوية واستعدادها للروح وقبولها لها وغير ذلك من لوازمها الذاتية .
( لا يكون إلا من فيضه الأقدس ) أي تجليه الأقدس من الكثرة الأسمائية فهذه كلها غير مجعولة إذ كل ما حصل من التجلي الأقدس غير مجعول كالمائيات واستعداداتها الحاصلة منه اه بالى .
( فالأمر ) أي كل الموجود من الموجودات العلمية والعينية ( كله ) تأكيد للاستغراق منه أي حصل من الله على الوجه المذكور ( وإليه يرجع الأمر كله ) باستهلاكه بتجلى الحق كل آن أو بتجليه عند القيامة الكبرى تبقى مجردة عن اللواحق العارضة وتصل إليه تعالى ( كما ابتدأ منه ) ولا يلزم منه الجبر لأن القابل لا يكون إلا من الفيض الأقدس ( فاقتضى الأمر ) جواب لما شاء ( جلاء مرآة العالم ) أي المرآة المسمى بالعالم . واعلم أن الله حرم على الإنسان بعض الأفعال وأحل بعضها فإذا فعلت فعلا شرعيا وجد منه شيء وجود شبح مسوى لا روح فيه وهو بمنزلة قوله ( وقد كان أوجد العالم كله وجود شبح لا روح فيه ) فاقتضى الأمر جلاء ذلك الموجود وهو بمنزلة قوله ( فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ) فكان جلاؤه نور الاسم الذي يحكم عليك في صدور هذا الفعل منك وهو بمنزلة قوله ( فكان آدم عين الجلاء تلك المرآة ) فحينئذ رأيت نفسك في فعلك فإذا رأيت نفسك رأيت ربك لأنك تعريفه الرسمي ، فإذا رأيت ربك فقد رأى ربك نفسه في مرآة فعلك كما رأى في مرآة العالم ، فعلى هذا يجرى فعلك على طريقة فعل الله وفعلت ما أمره وتحققت بأخلاقه وأعطيته ما طلبه منك وهو المرآة على نوع مخصوص بحسب الفعل المخصوص والوقت المعين فقد وجدت سعادة بسبب إطاعتك الشرع لا غير لأجل هذا أمر منها ما أمر بخلاف ما إذا ارتكب المعاصي فإنه وإن كان يوجد شيء عنها لكن لا يمكن به السلوك بهذا المسلك فلا يكون مرآة لصاحبها فتحفظ ، فإن هذه المسئلة روح الشريعة فمن عرفها على اليقين بريء عن شبهات الأحيين اه بالى .