يتميز به العبد من الرب ، وهذا الفرقان أرفع فرقان ) أي المتقى بالتقوى العرفي يجعل له فرقانا : أي فارقا بين الحق والباطل ونصرا عزيزا على حسب تقواه ، فيتميز به الحق من الخلق في الصفات والأفعال ، وهذا الفرقان هو الفرق بعد الجمع ، وهو درجة المقربين الكمل الذين تقواهم أعظم تقوى وفرقانهم أرفع فرقان .
( فوقتا يكون العبد ربا بلا شك
ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك )
هذا البيت له معنيان محمولان على الفرقانين ، أحدهما : أن المراد بالربوبية ، الربوبية العرضية من كونه رب المال ورب الملك ، وهي التي عرضت للعبد فحالت بينه وبين تحققه بالعبودية المحضة التي ما شابها ربوبية ولا شأنها تصرف وألوهية ، فكانت عبودية بالإفك ليست بخالصة فليس في هذا الوقت بمتق ، والوقت الذي خلصت فيه عبوديته ولم يتصف بربوبية أصلا ولم يضف إلى نفسه فعلا ولا تأثيرا ، وأمسك عن التصرفات النفسية وقام بالأوامر الشرعية قضاء لحق الربوبية ووفاء لحق العبودية ، كان متقيا يجعل الله له فرقانا ، والمعنى الثاني : أن العبد الجامع بين العبودية العظمى والربوبية الكبرى في وقت خلافته عن الله عند استخلافه تعالى له ، كان عبدا لله ربا للعالمين ، فإن الخليفة على صورة المستخلف فوقتا يكون ربا للعالمين باستخلاف الحق له ، ووقتا يكون عبدا بلا إفك باستخلافه لله وتفويض أمره إليه بعد استخلاف الحق إياه تحققا بالعبودية العامة والمعرفة التامة ، لقوله عليه الصلاة والسلام في هذا المقام « اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل » فخلف الله على أهله وهو صاحبه في السفر ، فصار كل منهما مستخلفا للآخر ومستخلفا ، وهو مقام الخلة العظمى المذكورة قبل :
( فإن كان عبدا كان بالحق واسعا
وإن كان ربا كان في عيشة ضنك )
فإن كان عبدا بالتفويض المذكور ، واستخلافه الحق مع كماله باستخلاف الحق إياه ، ثبت على مستقره ومركزية فلك العبودية العظمى ، وكان واسعا بالحق على الحقيقة ، لأنه في كفالته ووكالته بالربوبية الحقيقية الذاتية التي له يعبده ، فوسعه الحق بكل ما احتاج إليه فكان كل منهما في مقامه أصيلا ، وإن كان ربا لزمه القيام بربوبية كل من ظهر بعبوديته ، وحينئذ لم يمكنه القيام بذلك حق القيام إلا بالحق ، فإن الخليفة وإن كان فيه جميع ما نطلبه الرعايا ، لكنه يجعل المستخلف فربوبته للعالم عرضية وإن كان قبول ذلك باستعداد غير مجعول ، لكن الوجود الغنى والفعل والتأثير والإفاضة للحق ذاتية ، والعدم والانفعال
شرح
في قلبه يميز بين العبد والحق ، ويصل إلى مقام القرآنية اه ( فوقتا يكون العبد ربا بلا شك ) بظهور تجلى الربوبية له واختفاء عبوديته ، وهو قوله : والعارف يخلق بهمته ( ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك ) عن عبوديته عند ظهور عجزه وقصوره بزوال الصفة الربوبية اه بالى .
( فإن كان عبدا كان باللَّه واسعا ) لأنه قال ما وسعني أرضى ولا سمائي ( وإن كان ربا كان في عيشة ضنك )