حديث متفق على صحته » ( وقال الله تعالى - لإبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ناداه * ( أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) * - وما قال له : قد صدقت في لرؤيا إنه ابنك ، لأنه ما عبرها ) فلو صدق في رؤيا ما رأى لما كان عند الله إلا إسحاق ولذبحه ، فلم يصدق فيها بالتعبير كما هو عند الله ( بل أخذ بظاهر ما رأى والرؤيا تطلب التعبير ، ولذلك قال العزيز - * ( إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) * - ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ، فكانت البقر سنين في المحل والخصب ، فلو صدق في الرؤيا لذبح ابنه ) ولكان عند الله كذلك ( وإنما صدق الرؤيا في أن ذلك عين ولده ، وما كان عند الله إلا الذبح العظيم في صورة ولده ، ففداه لما وقع في ذهن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما هو فداء في نفس الأمر عند الله ) ما نفى ، أي لم يكن المذبح فداء لابنه في نفس الأمر عند الله ، بل في ذهن إبراهيم ( فصور الحس الذبح وصور الخيال ابن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ) وكان شيئا واحدا فأجراه إبراهيم على عادته في المنام والوحي ، وكان ابتلاء من الله ولابنه فصدقه ، فتحقق بذلك التصديق إسلامه وإسلام ابنه تصديقهما الرؤيا فأظهر الله جلية الأمر ، فعلم إبراهيم أن الذي رآه في صورة ابنه كان كبشا ، وأن مقتضى موطن الرؤيا هو التعبير ( فلو رأى الكبش في الخيال لعبر بابنه أو بأمر آخر ) أي على ما علمه الله لفداء من أن حق موطن الرؤيا هو التعبير ، كما لو رأى إسلامه لنفسه في صورة الذبح لعبره بالإسلام ، ثم قال - * ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) * - أي الاختبار الظاهر ، يعنى الاختبار في العلم ، هل يعلم ما يقتضيه
شرح
( قد صدقت الرؤيا ) أي قد جعلت رؤياك صادقة في الحس باعتقادك ومباشرتك بحسب اعتقادك ، وليس المراد برؤياك ما أخذته بل المراد غير ذلك ، ولم تطلع على ما هو المرد ، دع نفسك عن ذبح ولدك فإنك قد ذهبت إلى غير سبيل رؤياك بتصديقك الرؤيا ، وما كان في علمي أن تذبح ولدك ، فإني قد حرمت ذبح الإنسان ، وليس لك في علمي إلا الكبش الذي رأيته في صورة ولدك ، ولو صبر إبراهيم وطلب علم ما رآه من الله لنزل الكبش إليه البتة إذ هو المعجزة المقدرة في العلم الأزلي ، ولو كان المراد ابنه لقال حين ناداه - أَنْ يا إِبْراهِيمُ ) * - ( قد صدقت ) بالتخفيف في الرؤيا أنه ابنك ( وما قال له قد صدقت ) إلخ فكان الفداء فداء عن ذهن إبراهيم ، فإذا كانت رؤياه تطلب التعبير لم يصدق إبراهيم في الرؤيا ، ولو لم تطلب الرؤيا التعبير لصدق ، فكما أن ما كان عند الله إلا الذبح العظيم ، كذلك ما كان عند الله إلا تصديق الرؤيا عن إبراهيم ، وما فعل الأنبياء إلا ما عند الله اه ( ما هو فداء في نفس الأمر عند الله ) بل في ذهن إبراهيم ، فللرؤيا صورتان صورة الذبح وهو الفعل الحسي ، وصورة ولد إبراهيم وهي صورة المعاني ( فصورة الحس صورة الذبح ) وهو بعينه الذبح الذي وقع في الحس في الكبش ، فكان المراد عين تلك الصورة لا غير ، إذ الحس لا يصور إلا عين الصورة فلا يطلب ما في الحس التعبير بخلاف الخيال ( فصور الخيال ابن إبراهيم ) لذلك دخل التعبير فظهرت المعنى الكبشية في خيال إبراهيم في صورة ولده فحكم وهم إبراهيم أن المراد هو نفس الصورة فعمل بما حكم عليه وهمه ، فجاز ظهور المعاني في الخيال بما تطابق بصورها الحسية أو بغيرها ، فإذا لم يظهر معنى الكبشية في خياله بصورته الكبشية فلم ير صورة الكبش .
قوله ( المبين أي الاختيار ) لعلمه عند ذبح الكبش ما كان لمراد في ذلك ، فكان قوله - إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ ) * - مثل قول يوسف - هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ ) * - فكانت هذه الآية مقدما في الذكر مؤخرا في الوقوع عن آية الفداء اه بالى .