تسلط بوسوسة ، والنفساني هو الذي احترز منه بقوله ( في الروع النفسي ) إذ الروع هو القلب الخائف ولا يكون الخوف إلا في الجهة التي تلى النفس منه وهو المسماة بالصدر ، فنسبه إلى النفس طلبا لأن يبلغ الإلقاء أو النفث ذلك الوجه الذي يليها فينور ويشغله بالمعنى الغيبي ويتأثر منه النفس فلا تؤثر فيه بالوسوسة إذ لا تكون في حالة التأثر مؤثرة ولذلك قيد التخصيص بالإلقاء ( بالتأييد الاعتصامى ) فإنه لولا تأييده تعالى وتوفيقه للاعتصام لاستولت النفس عليه فصارت مؤثرة فيه لا متأثرة ( حتى أكون مترجما لا متحكما ليتحقق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب أنه من مقام التقديس ) أي الحضرة الأحدية والروحية المقدسة ( المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس ) أي الأغراض الدنيوية التي يمكن أن تلبس بإظهار أنه لوجه الله ويلحقها الرياء والنفاق ( وأرجو أن يكون الحق لما سمع دعائي قد أجاب ندائي ، فما ألقى إلا ما يلقى إلى ) ثم لما كان قوله أن يخصني بالإلقاء السبوحى والنفث الروحي ، وقوله ( لا أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزل به على ) توهم أنه كان يدعى النبوة احترز عنه بقوله ( ولست بنبي ولا رسول ولكني وارث ) للعلم من النبي ببركة صحة المتابعة لقوله عليه الصلاة والسلام « العلماء ورثة الأنبياء » ( ولآخرتي حارث ) أي لا أريد بإظهار هذا العلم الحظ الدنيوي بل الأخروى :
فمن الله فاسمعوا
وإلى الله فارجعوا
فإذا ما سمعتم
ما أتيت به فعوا
ثم بالفهم فصلوا
مجمل القول واجمعوا
ثم منوا به على
طالبيه لا تمنعوا
هذه الرحمة التي
وسعتكم فوسعوا
والفاء في البيت الأول للسببية وتقديم الصلة للتخصيص ، أي إذا كان ما أقوله إنما يكون بالإلقاء السبوحى فلا تسمعوه إلا من الله لا منى وإليه فارجعوا لا إلى قوله ( ومن الله أرجو أن أكون ممن أيد فتأيد وأيد وقيد بالشرع المحمدي المطهر فتقيد وقيد ، وأن يحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته ) ظاهر ( فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك ) .
شرح
( في الروع النفسي ) أي في القلب المنسوب إلى الصدر ظرف للنفث والإلقاء على سبيل التنازع بضم الراء وسكون الواو وفتح النون وسكون الفاء بالى .
ولما بين كيفية وصول الكتاب من يده عليه الصلاة والسلام على الوجه التنزيهي عن التلبيس بقوله ( فإني رأيت ) ثم بين كيفية وصوله من يده إلى الشهادة منزها كذلك بقوله ( فحققت الأمنية ) أراد أن يبين المقصود منه فقال ( حتى أكون مترجما لا متحكما ) يعنى أن معاني الكتاب وألفاظها ونظمها وترتيبها وكتابتها وغير ذلك كلها من إلقاء الحق وليس له تحكم وتصرف في ذلك اه بالى .
( ولآخرتي حارث ) ويدل ذلك على أن الكمل وإن كانوا يعبدون الله يريدون أجر الآخرة من دخول الجنة والنجاة من النار وتكون عبادتهم خالصة عن الأغراض النفسانية إذا رادتهم عين إرادة الله فلا يعبدون في كل مقام إلا الله وباللَّه خالصا ومخلصا .