الحقائق والشهود اليقيني ، يعطى للعارف المشاهد أن الأشياء لا تزال تتكون في
كل آن ونفس على الدوام ، كما قال تعالى : ( بل هم في لبس من خلق جديد ) .
والكون لا يكون إلا بعد الانعدام ، وكل منهما لا يمكن بلا ميل ( 15 )
أما الانعدام ، فلأنه لا يحصل إلا بالميل إلى الباطن . وهذا الميل في الحيوان
يسمى ( انحرافا ) في الطبيعة ، وفي غيره من المركبات يسمى ( تعفينا ) ، كما إذا تغير
مزاج فاكهة أو لبن أو عصير ، أو غير ذلك ، يقال : عفن . وذلك الميل بالنسبة إلى
جناب الحق يسمى ( إرادة ) . وذلك لأنها المخصصة والمرجحة في حق الممكنات ،
إما إلى الوجود ، أو العدم ، والتخصيص والترجيح عين الميل بأحد الحكمين
هامش
( 15 ) - ولو كان مراد الشيخ والشارح العلامة ، وغيرهما من أرباب المعرفة ، أن الكون عبارة عن
إيجاد ثم انعدام صريح ذوات الأجسام يلزم أن يكون الإيجاد في عالم المادة إبداعيا ، أي ،
يقتضى أمر الإلهي انعدام المواد مع صورها وإيجاد الصور من كتم العدم من دون مسبوقيتها
بالمواد والاستعداد . وإنما يستدلون على ما راموا في زبرهم على الآيات القرآنية على
سبيل التعبد والتقليد ، من دون ذكر دليل على كيفية دلالة الآيات الكريمة على مسلكهم .
نظير ( بل هم في لبس من خلق جديد ) . ويظهر من كلامهم أنهم ما وصلوا إلى ما وصل إليه
صدر متألهة الإسلام من إثبات الحركة في الجواهر وسيلانها وتبدلها الجوهر الذاتي على
سبيل الاستمرار ، ونفى الكون والفساد في توارد الصور على المواد ، وتبدل الصور على
طريق التجدد مع القول بوقوع الحركة في الصور مع حفظ مادة ما ، وتبدلها مع الاعتقاد
باستمرار الحركة وعدم جواز فصل العدم في الوجود الاستمراري المادي . وأما القول
بأن الكون لا يكون إلا بعد الانعدام ، وكل منهما لا يكون إلا بالميل ، كلام مبهم في غاية
الإبهام . ولا يمكن رفع الإبهام والشكوك وإثبات التجدد والتصرم في جوهر الصور
وسيلانه مع تلفيق الخطابيات قد وقد أثبتنا أن العالم حادث زماني كله وجزئه ، والفيض منه
تعالى ثابت أزلي دائم . ولا منافاة بين تجدد عالم الأجسام ودثوره وفنائه وزواله ، وبقاء
وجه الله . ( كل يوم هو في شأن ) - ( بل هم في لبس من خلق جديد ) لرسوخ الحركة وولوجها
في الجواهر والأعراض تابعة لها . وأما قول الأشاعرة في عدم بقاء العرض في الآنين ، لا ثقة
بجدوى برهانهم ، ولا يمكن التعويل عليه ، بناءا على القول بالحركة في الذوات وتصرمها
على سبيل اللبس بعد اللبس ، لا يرد على القائل بالحركة ما يرد على الشيخ وأتباعه . ( ج )