مراتب الفرقان بينهما كون تعين أحدهما مغائرا لتعين الآخر ، ولذلك صار اثنين ،
أي ( يدين ) .
ثم ، قال : ( لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبها ، وهي متقابلة ، فجاء
باليدين ( 50 ) . ) تنبيها على أن المناسبة ثابتة بين العلة ومعلولها . فلما كان المعلول
مقتضيا للتقابل بقابليته ، كانت العلة أيضا مقتضية له بفاعليتها .
( ولما أوجده باليدين ، سماه ( بشرا ) للمباشرة اللائقة بذلك الجناب باليدين
المضافتين إليه . ) أي ، سماه ( بشرا ) في قوله : ( إني خالق بشرا من طين ) . لما باشره
بيديه في خلقه . وفيه إشارة إلى أن ( البشر ) مأخوذ من ( المباشرة ) ، كما يقال :
يسمى ( الخمر ) خمرا لتخميره للعقل . ولما علم أن المحجوب يتوهم من
( اليدين ) العضو الخاص ، ومن المباشرة المباشرة الحسية ، نزه بقوله : ( للمباشرة
اللائقة بجنابه ) . و ( باليدين ) الممكنة إضافتهما إلى حضرته .
والمباشرة اللائقة بجنابه اقتضاء عنايته الذاتية ومشيئته الأصلية ومحبته
الأزلية إظهار موجود جامع لصفاته المتقابلة ، ومحل لائق لسلطنة أسمائه
المتعالية ، كما أشار إليه في صدر الكتاب .
( وجعل ذلك من عنايته بهذا النوع الإنساني ، فقال لمن أبى عن السجود له : ( ما
منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت ) على من هو مثلك ، يعنى عنصريا . ( أم
كنت من العالين ؟ ) عن العنصر ؟ ولست كذلك . ونعني ب ( العالين ) من علا بذاته عن
أن يكون في نشأته النورية عنصريا وإن كان طبيعيا . ) المراد ب ( العالين ) الملائكة
المهيمون في أنوار جمال الذات ، المتجلية لها بالتجلي الجبالي . وهم الكروبيون
والملائكة المقربون ، كجبرئيل وميكائيل وغيرهم من طبقتهم . لذلك وصفهم
بأنهم نوريون طبيعيون لا عنصريون .
( فما فضل الإنسان غيره من الأنواع العنصرية إلا بكونه بشرا من طين ، فهو
أفضل نوع من كل ما خلق من العناصر من غير مباشرة . ) أي ، فما فضل الإنسان
هامش
( 50 ) - أي ، باليدين المتقابلين ، ليحصل المناسبة بين المؤثر والمتأثر . ( ج )