( الدين دينان : دين عند الله وعند من عرفه الحق تعالى ومن عرفه من
عرفه الحق ، ودين عند الخلق ، وقد اعتبره الله . فالدين الذي عند الله هو الذي
اصطفاه الله وأعطاه الرتبة العلية على دين الخلق . فقال تعالى : ( ووصى بها إبراهيم بنيه
ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) . أي ،
منقادون إليه ) .
اعلم ، أن ( للدين ) لغة مفهومات يطلق عليها بالاشتراك . وقد اعتبر في
نقله إلى الشرع هذه المفهومات الثلاث كلها . لأن الانسان ما لم ينقد لأحكام الله
ظاهرا وباطنا ولم يعتد بالإتيان بالأوامر والانتهاء عن النواهي ولم يعتقد جزاء
الأعمال ولم يصدق يومه وكون الحق مثيبا للمحسنين ومعاقبا للكافرين
والعاصين ، لم يكن مؤمنا بالحق ونبيه ، ف ( الدين ) شرعا جامع للمعاني الثلاث .
وهو لا يخلو إما أن يصدر من حضرة الجمع الإلهي بإرسال الأنبياء ، عليهم
السلام ، وإما من حضرة التفصيل . والأول هو الذي اصطفاه الله تعالى ، وأعطاه
للأنبياء وعرفهم إياه ، وعرف باقي المؤمنين بواسطتهم ، وبهذا التعريف
وتبليغ الرسالة وتبيين الدين صاروا حجة الله على الخلق .
والثاني ، هو الذي كلف المهتدون بنور الحق والمتفكرون في عالم الأمر والخلق
نفوسهم بتكاليف من عندهم . وذلك ، لما عرفوا مقام عبوديتهم ومقام ربوبية
الحق إياهم بأنوار لمعت من بواطنهم النقية ولاحت من أسرارهم الزكية ، كلفوا
نفوسهم بالعبودية شكرا لنعم الرب الذي خلقهم وهداهم . كما قال : ( ورهبانية
ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) . أي ، ما فرضنا تلك العبادة عليهم . ( إلا ابتغاء
رضوان الله فما رعوها ) أي ، الذين كلفوا نفوسهم بها . ( حق رعايتها فآتينا الذين
آمنوا ) بها ، أي بتلك العبودية . ( أجرهم ) من الأنوار القدسية والكمالات النفسية
التي هي الأخلاق الشريفة والملكات الفاضلة . وهذا هو المراد بقوله : ( وقد
اعتبره الله ) . ( وكثير منهم ) أي ، من الناس الذين لم يعملوا بها ولا بما شرعه الله في
شرح فصوص الحكم — صفحة 667
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٦٦٧