أن أوجد آدم وجعله متصفا بصفاته وخليفة في ملكه ، أطلعه على ما أودع في
حقيقته من المعارف والأسرار الإلهية ، كما قال : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) .
وجعل ذلك المودع في قبضتيه ، أي ، في ظهوري الحق وتجلييه بالقدرة لإيجاد العالم
الكبير مرة والصغير أخرى ، أو في عالميه الكبير والصغير ، ( 160 ) لأنه قد يقال
( القبضة ) ويراد بها المقبوض . قال الله تعالى : ( والأرض جميعا قبضته ) . أي ،
مقبوضة مسخرة في يد قدرته . القبضة الواحدة فيها العالم ، أي ، أعيان الموجودات
على سبيل التفصيل ، وفي القبضة الأخرى آدم وبنوه المشتمل على كل من
الموجودات على الإجمال . والمراد بهما ( اليدان ) المعبر عنهما بالصفات الفاعلية
والقابلية : فالعالم هو اليد القابلة ، وآدم هو اليد الفاعلة المتصرفة في القابلة .
وقوله : ( وبين مراتبهم فيه ) أي ، مراتب بني آدم في آدم المشتمل عليهم ، كما قال
في الحديث : ( إن الله مسح بيده ظهر آدم وأخرج بنيه مثل الذر ) . - الحديث .
ويجوز أن يعود ضمير ( فيه ) إلى الحق . أي ، بين مراتبهم في الحق . والأول أولى .
( ولما أطلعني الله تعالى في سرى على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر ،
جعلت في هذا الكتاب منه ما حد لي ، لا ما وقفت عليه ، فإن ذلك لا يسعه كتاب ولا
العالم الموجود الآن ) .
( الوالد الأكبر ) وآدم الحقيقي الذي هو الروح المحمدي ، و ( الوالد الكبير ) هو آدم أبو البشر .
وإنما قال : ( فإن ذلك لا يسعه كتاب ) إلى آخره . لأن الكمالات الإنسانية
هي مجموع كمالات العالم بأسره مع زيادة تعطيها الحضرة الجامعية والهيئة
الاجتماعية ، فلو يكشفها كلها ، لا يسعها كتاب ولا يسعها أهل العالم بحسب
الإدراك ، لقصورهم وعجزهم عن إدراك الحقائق على ما هي عليه .
( فمما شهدته مما نودعه في هذا الكتاب كما حده لي رسول الله ، صلى الله عليه
وسلم :
هامش
( 160 ) - قوله : ( في ظهوري الحق ) . هذا بحسب انتسابهما إلى الحق ، فعبر بالظهور والتجلي .
وقوله : ( في عالميه الكبير والصغير ) بحسب الوجهة اليلي الخلقي وانتسابهما إلى الخلق ، وإن
كان الظاهر والمظهر لا يفترقان إلا بالاعتبار . ( الإمام الخميني مد ظله )