لا بهذا الكتاب . و ( أجمعوا ) أي ، تلك التفاريع في أصولها لتكونوا عالمين
بالفروع في عين الأصول ، وبالأصول في عين الفروع ، فتعلموا أن الحق ،
سبحانه وتعالى ، يعلم جزئيات الأشياء في عين كلياتها : ( ولا يعزب عن علمه
مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ) . أو فصلوا مجمل القول الذي ذكرته من
المراتب والمقامات ، وأجمعوا بين كل مقام وأهله من الأنبياء والأولياء بتنزيل كل
في مقامه . (
ثم منوا به على طالبيه ولا تمنعوا ) ( 46 ) أي ، منوا بما سمعتم وفهمتم معناه
على طالبيه بإرشادهم وتنبيههم على المعاني المودعة فيه . أي ، أعطوهم عطاء
امتنانيا غير طالبين منهم عوضا لتكونوا داخلين فيمن قال تعالى فيهم : ( ومما
رزقناهم ينفقون ) . ولا تمنعوهم ضنة وبخلا : ( فإن رحمة الله قريب من
المحسنين ) . الذين لا يبخلون بما رزقهم الله .
واعلم ، أن المنة على قسمين : محمودة . وهي المشار إليها بقوله : ( بل الله
يمن عليكم أن هديكم للإيمان ) . ومذمومة . وهي المنبه عليها بقوله : ( يا أيها
الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) . ولما كانت الأولى صفة إلهية وبها
يسمى الحق ب ( المنان ) أمرنا ، رضي الله عنه ، بها لنتخلق بالأخلاق الإلهية
ونتحقق بالصفات الحقانية .
هامش
( 46 ) - قوله : ( ثم منوا به طالبيه ولا تمنعوا ) وهذه المنة من المنن المحمودة التي من عطاء الله
وهدايته . وميزان المنة المحمودة والمذمومة هو أن كل منة كانت خالصة من شائبة النفس
واستقلالها ، وتكون من جهة عطاء الله تعالى ، فهي من المنن المحمودة ، وكل منة تكون
للنفس فيها قدم وللإنانية فيها دخالة ، فهي من المذمومة . وهذا الكتاب لما كان بحسب
مكاشفة الشيخ من عطيات رسول الله ، صلى الله عليه وآله ، ومنحه ، وهي بعينها
عطيات الله تعالى ، تكون هداية الطالبين وإرشاد المسترشدين إليه ، من هذه الحيثية من
المنن الممدوحة بشرط خلوص الهادي المرشد عن شائبة تصرف النفس من النفس
والشيطان . ( الإمام الخميني مد ظله )