عين الأشياء بقوله : ( هو الأول ولآخر والظاهر والباطن ( 88 ) وهو بكل شئ عليم ) .
فكونه عين الأشياء بظهوره في ملابس ( 89 ) أسمائه وصفاته في عالمي العلم والعين ،
وكونه غيرها باختفائه ( 90 ) في ذاته واستعلائه بصفاته ( 91 ) عما يوجب النقص والشين
وتنزهه عن الحصر والتعيين وتقدسه عن سمات الحدوث والتكوين . وايجاده
للأشياء ، اختفاؤه ( 92 ) فيها مع اظهاره إياها ( 93 ) واعدامه لها في القيامة الكبرى ،
ظهوره بوحدته وقهره إياها بإزالة ( 94 ) تعيناتها وسماتها وجعلها متلاشية كما قال :
( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) و ( كل شئ هالك الا وجهه ) . وفي الصغرى
تحوله ( 95 ) من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ( 96 ) ، أو من صورة إلى صورة في عالم واحد ( 97 ) .
فالماهيات صور كمالاته ومظاهر أسمائه وصفاته ( 98 ) ، ظهرت أولا في العلم
ثم في العين بحسب حبه اظهار آياته ورفع اعلامه وراياته فتكثر بحسب الصور
وهو على وحدته الحقيقية ( 99 ) وكمالاته السر مدية . وهو يدرك حقايق الأشياء بما يدرك
حقيقة ذاته لا بأمر آخر ( 100 ) كالعقل الأول ( 101 ) وغيره ، لان تلك الحقايق أيضا عين
ذاته حقيقة وان كانت غيرها تعينا . ولا يدركه غيره كما قال : ( لا تدركه الابصار
وهو يدرك الابصار ) و ( ولا يحيطون به علما ) و ( ما قدروا الله حق قدره ) ( 102 ) ،
( ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ) ، نبه عباده تعطفا منه ورحمة لئلا يضيعوا
أعمارهم فيما لا يمكن حصوله . وإذا علمت أن الوجود هو الحق وعلمت سر قوله : ( وهو معكم
أينما كنتم ) ، ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) ، ( وفي أنفسكم أفلا
تبصرون ) ( 103 ) ، ( وهو الذي في السماء اله وفي الأرض اله ) ( 104 ) . وقوله : ( الله
نور السماوات والأرض ) ، ( والله بكل شئ محيط ) و ( كنت سمعه وبصره ) .
وسر قوله عليه السلام : ( لو دليتم بحبل لهبط على الله ) ، وأمثال ذلك من الاسرار
المنبهة للتوحيد بلسان الإشارة .
تنبيه للمستبصرين بلسان أهل النظر
الوجود واجب لذاته ( 105 ) إذ لو كان ممكنا لكان له علة موجودة ( 106 ) فيلزم تقدم الشئ
هامش
88 - هو الأول الذي يبتدى منه الوجود الإضافي باعتبار اظهاره ، والآخر الذي
ينتهى إليه الوجود باعتبار امكانه وانتهاء احتياجه إليه ، فكل شئ به يوجد وفيه يفنى فهو
أوله وآخره في حالة واحدة باعتبارين ، والظاهر في المظاهر الكونية بصفاته وأفعاله ،
والباطن باحتجابه بماهياته وصفاته . 12
89 - الماهيات .
90 - عن المراتب لا عن الذات . 12
91 - الذاتية .
92 - كاختفاء النفس في مراتبها . 12
93 - والا لم يمكن ظهور الأشياء .
94 - على نحو الاستهلاك في نظر شهود السالك لا على نحو الهلاك لان الوجود لا يعدم . 12
95 - تحول عالم الحس من النفس إلى عالم الخيال .
96 - الآخرة .
97 - باعتبار ان مجموع العالم شخص واحد ذو درجات . 12
98 - أي ، ما يمتاز به كمالاته وأسمائه كل من الآخر ويعلم .
99 - أي ، التجليات لا تستلزم تغيرا في ذاته ولا في صفاته . 12
100 - لان الأشياء وجودات خاصة مستجنة في نسب ذاته وهي في تلك المرتبة عين ذاته .
والحاصل ، ان الذات في مرتبة صرافتها ومحوضتها لا تقتضي اسما ولا رسما وتلك الأسماء
تطلق عليها عند تنزلها في مراتب كمالاتها . فالماهيات هي الحق في الأحدية والجمع باعتبار
الكثرة التي فيما لا يزال ، الا انه يلزم تلك الأسماء المختلفة عند تنزله وتجليه في المراتب التي
ما دون مرتبته الأحدية . وبالجملة للوجود في كل مرتبة اسم الا في مرتبة الأحدية . 12
101 - أي لا واسطة في علمه . 12
102 - أي ، ما عرفوه حق معرفته إذ انتسبوا التأثير إلى غيره واثبتوا وجوده بغيره ولو عرفوه لكانوا
فانين فيه لا يرون الا الله شيئا .
103 - من أنوار تجلياتها .
104 - أي ، هو معبود في جميع المراتب .
105 - الواجب عند الحكماء جزئي حقيقي متعين بتعين هو عين ذاته . وعند الصوفية ليس
بكلي ولا جزئي ولا عام ولا خاص وبالجملة هو اللا متعين الصرف . فافهم .
106 - أي سواء كانت علته نفسه أو جزئيا من جزئياته .