فص حكمة إمامية في كلمة هارونية
( الإمامة ) اسم من أسماء الخلافة ، كما قال في حق نبيه إبراهيم ، صلوات الله
عليه : ( إني جاعلك للناس إماما ) . أي ، خليفة عليهم . وهي إما بواسطة ، أو بلا
واسطة . والقسمان ثابتان في هارون ، عليه السلام ، لذلك اختصت بكلمته . أما
الأول ، فلكونه خليفة موسى ، عليه السلام ، كما قال : ( اخلفني في قومي ) . وأما
الثاني ، فلكونه نبيا رسولا مبعوثا من الحق إلى الخلق بالسيف ، كأخيه موسى ،
فقويت نسبة الإمامة إليه ، فكان إماما مطلقا من جانب الحق ، وإماما مقيدا من
جانب موسى ، عليه السلام ( 1 )
هامش
( 1 ) - قال الشيخ الكبير في فكوكه ( فك ختم الفص الهاروني ) : ( اعلم ، أن الإمامة المذكورة في هذا
الموضع فإنما تذكر باعتبار أنها لقب من ألقاب الخلافة ، ولها التحكم ( والمقام ) والتقدم .
وهي تنقسم من وجه إلى إمامة لا واسطة بينها وبين الحضرة الألوهية ، وإلى إمامة ثابتة
بالواسطة . والخالية عن الواسطة قد تكون مطلقة عامة الحكم في الوجود ، وقد تكون
مقيدة ، بخلاف الإمامة الثابتة بالواسطة ، فإنها لا تكون إلا مقيدة . فالتعبير عن الإمامة
الخالية من الواسطة ، مثل قوله تعالى للخليل ، عليه السلام : ( إني جاعلك للناس إماما ) .
والتي بالواسطة مثل استخلاف هارون على قومه حين قال : ( أخلفني في قومي ) . ومثل ما
قيل في حق أبى بكر إنه خليفة رسول الله . وهذا بخلاف خلافة المهدى ، عليه السلام ، فإن
رسول الله لم يضف خلافته إليه ، بل سماه خليفة الله وقال : ( إذا رأيتم الرايات السود تقبل
من أرض خراسان ، فأتوها ولو جثوا ، فإن فيها خليفة الله المهدى ، ثم يملأ الأرض قسطا
وعدلا ) . فأخبر بعموم خلافته وحكمه ، فإنه خليفة الله بلا واسطة . فأفهم ) . وقال
رسول الله ، عليه السلام : ( إن لله خليفة يأتي في آخر الزمان . اسمه اسمى وكنيته كنيتي .
وله المقام المحمود يبايع بين الركن والمقام . . . ) فإن هذه الرواية نقلها الشيخ الأكبر في
باب ظهور المهدى ، عليه السلام ، في آخر الزمان . وقد نقل الشارح الجامي ( في
نقد النصوص ) ما نقلناه عن الفكوك بعينه ، وكذا الشارح القيصري وغيرهما . وإذا بلغ
الكلام إلى ما قاله الشيخ الكبير في حق الإمام محمد المهدى الموعود ، عليه السلام ، أعرضوا
عنه ونبذوه وراء ظهورهم وما وفقهم الله نقل اسمه الشريف من جهة سوء سريرتهم
وعداوتهم لخاتم الأولياء . وأما ما قاله الشيخ الكبير : ( ومثل ما قيل في حق أبى بكر إنه خليفة
رسول الله ) خارج عن محل البحث ، لأن الكلام في خليفة الله ، أي من عينه الله ، إما
بالواسطة أو بلا واسطة . وأنت تعلم أن أبا بكر لم يكن خليفة الرسول ، صلى الله عليه
وآله ، لأن أهل السنة أجمعوا على أنه مات رسول الله وما عين خليفة ، وما أوجب على الأمة
تعيينها . ونحن نقول إن عليا ، عليه السلام ، هو الإمام الذي ورث الخلافة عن النبي .
والدليل على خلافته عن النبي والأدلة على خلافته عن الله بعد وفات النبي لا تعد ولا
تحصى . وهو ، عليه السلام ، أحد الثقلين اللذين أمر الله الأمة باتباعهما ولن يفترقا . بناء
على ما حققناه ، أن إطلاق خليفة الرسول على أبى بكر ، وعلى الثاني والثالث ، مغائر
لإطلاق الخلافة ، أو الإمامة ، على هارون وغيره من الأولياء في الأمم السابقة ، وإطلاق
الإمام أو الخليفة على علي بن أبي طالب والعترة الطاهرة ، عليهم السلام ، في الدورة
الإسلامية .