من ذاك " ذو " : إن صحبة أبانا * والفم ، حيث الميم منه بانا ( 1 )
أي : من الأسماء التي ترفع بالواو ، وتنصب بالألف ، وتجر بالياء ذو ، وفم ،
ولكن يشترط في " ذو " أن تكون بمعنى صاحب ، نحو " جاءني ذو مال "
أي : صاحب مال ، وهو المراد بقوله : " إن صحبة أبانا " أي : إن أفهم
صحبة ، واحترز بذلك عن " ذو " الطائية ، فإنها لا تفهم صحبة ، بل هي بمعنى
الذي ، فلا تكون مثل " ذي " بمعنى صاحب ، بل تكون مبنية ، وآخرها
الواو رفعا ، ونصبا ، وجرا ، ونحو " جاءني ذو قام ، ورأيت ذو قام ، ومررت
بذو قام " ، ومنه قوله :
4 - فإما كرام موسرون لقيتهم
فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
.
هامش
( 1 ) " من ذاك " من ذا : جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم ، والكاف حرف
خطاب " ذو " مبتدأ مؤخر " إن " حرف شرط " صحبة " مفعول به مقدم لأبان " أبانا "
أبان : فعل ماض ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذو ، وألفه للاطلاق
وهو فعل شرط مبني على الفتح في محل جزم ، والجواب محذوف ، والتقدير : إن
أبان ذو صحبة فارفعه بالواو " والفم " معطوف على ذو " حيث " ظرف مكان " الميم "
مبتدأ " منه " جار ومجرور متعلق ببان " بانا " فعل ماض بمعنى انفصل ، مبني على الفتح
لا محل له من الاعراب ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الميم ، وألفه
للاطلاق وجملته في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله الميم ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جر
بإضافة " حيث " إليها .
4 - هذا بيت من الطويل ، وهو من كلام منظور بن سحيم الفقعسي ، وقد
استشهد به ابن هشام في أوضح المسالك ( ش 7 ) في مبحث الأسماء الخمسة ، وفي باب
الموصول ، كما فعل الشارح هنا ، واستشهد به الأشموني ( ش 155 ) مرتين أيضا .
وقبل البيت المستشهد به قوله :
ولست بهاج في القرى أهل منزل * على زادهم أبكي وأبكي البواكيا
فإما كرام موسرون لقيتهم * فحسبي من ذو عندهم . البيت
وإما كرام معسرون عذرتهم * وإما لئام فادخرت حيائيا
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة * وبطني أطويه كطي ردائيا
اللغة : " هاج " اسم فاعل من الهجاء ، وهو الذم والقدح ، تقول : هجاه يهجوه
هجوا وهجاء " القرى " - بكسر القاف مقصورا - إكرام الضيف ، و " في " هنا دالة
على السببية والتعليل ، مثلها في قوله صلى الله عليه وسلم : " دخلت امرأة النار في هرة "
أي بسبب هرة ومن أجل ما صنعته معها ، يريد أنه لن يهجو أحدا ولن يذمه ويقدح
فيه بسبب القرى على أية حال ، وذلك لان الناس على ثلاثة أنواع : النوع الأول كرام
موسرون ، والنوع الثاني كرام معسرون غير واجدين ما يقدمونه لضيفانهم ، والنوع
الثالث لئام بهم شح وبخل وضنانة ، وقد ذكر هؤلاء الأنواع الثلاثة ، وذكر مع كل
واحد حاله بالنسبة له " كرام " جمع كريم ، وأراد الطيب العنصر الشريف الآباء ،
وقابلهم باللئام " موسرون " ذوو ميسرة وغنى ، وعندهم ما يقدمونه للضيفان " معسرون "
ذوو عسرة وضيق لا يجدون ما يقدمونه مع كرم نفوسهم وطيب عنصرهم .
الاعراب : " إما " حرف شرط وتفصيل ، مبني على السكون لا محل له
من الاعراب " كرام " فاعل بفعل محذوف يفسره السياق ، وتقدير الكلام :
إما لقيني كرام ، ونحو ذلك ، مرفوع بذلك الفعل المحذوف ، وعلامة رفعه
الضمة الظاهرة " موسرون " نعت لكرام ، ونعت المرفوع مرفوع ، وعلامة
رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم ، والنون عوض عن التنوين
في الاسم المفرد " لقيتهم " لقى : فعل ماض مبني على فتح مقدر لا محل له من
الاعراب ، والتاء ضمير المتكلم فاعل لقى ، مبني على الضم في محل رفع ، وضمير الغائبين
العائد إلى كرام ، مفعول به مبني على السكون في محل نصب ، وجملة الفعل الماضي وفاعله
ومفعوله لا محل لها من الاعراب تفسيرية " فحسبي " الفاء واقعة في جواب الشرط ، حرف
مبني على الفتح لا محل له من الاعراب ، حسب : اسم بمعنى كاف خبر مقدم ، وهو مضاف
وياء المتكلم مضاف إليه ، مبني على الفتح في محل جر " من " حرف جر مبني على السكون
لا محل له " ذو " اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر بمن ، وإن رويت
" ذي " فهو مجرور بمن ، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة ، والجار والمجرور متعلق
بحسب " عندهم " عند : ظرف متعلق بمحذوف يقع صلة للموصول الذي هو ذو بمعنى الذي ،
وعند مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه ، مبني على السكون في محل جر " ما " اسم
موصول بمعنى الذي مبتدأ مؤخر مبني على السكون في محل رفع " كفانيا " كفى : فعل
ماض مبني على فتح مقدر على الألف منع من ظهوره التعذر ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا
تقديره هو يعود إلى الاسم الموصول الذي هو ما ، والنون للوقاية ، وياء المتكلم مفعول به مبني
على الفتح في محل نصب ، والألف للاطلاق ، وجملة كفى وفاعله ومفعوله لا محل صلة ما .
الشاهد فيه : قوله " فحسبي من ذو عندهم " فإن " ذو " في هذه العبارة اسم موصول
بمعنى الذي ، وقد رويت هذه الكلمة بروايتين ، فمن العلماء من روى " فحسبي من ذي
عندهم " بالياء ، واستدل بهذه الرواية على أن " ذا " الموصولة تعامل معامل " ذي " التي
بمعنى صاحب والتي هي من الأسماء الخمسة ، فترفع بالواو ، وتنصب بالألف ، وتجر بالياء
كما في هذه العبارة على هذه الرواية ، ومعنى ذلك أنها معربة ويتغير آخرها بتغير التراكيب .
ومن العلماء من روى " فحسبي من ذو عندهم " بالواو ، واستدل بها على أن " ذو " التي هي
اسم موصول مبنية ، وأنها تجئ بالواو في حالة الرفع وفي حالة النصب وفي حالة الجر جميعا
وهذا الوجه هو الراجح عند النحاة ، وسيذكر الشارح هذا البيت مرة أخرى في باب
الموصول ، وينبه على الروايتين جميعا ، وعلى أن رواية الواو تدل على البناء ورواية الياء
تدل على الاعراب ، لكن على رواية الياء يكون الاعراب فيها بالحروف نيابة عن
الحركات على الراجح ، وعلى رواية الواو تكون الكلمة فيها مبنية على السكون ،
فاعرف ذلك ولا تنسه .
قال ابن منظور في لسان العرب : " وأما قول الشاعر :
* فإن بيت تميم ذو سمعت به *
فإن " ذو " هنا بمعنى الذي ، ولا يكون في الرفع والنصب والجر إلا على لفظ واحد ،
وليست بالصفة التي تعرب نحو قولك : مررت برجل ذي مال ، وهو ذو مال ، ورأيت رجلا
ذا مال ، وتقول : رأيت ذو جاءك ، وذو جاءاك ، وذو جاؤوك ، وذو جاءتك ، وذو جئنك ،
بلفظ واحد للمذكر والمؤنث ، ومن أمثال العرب : أتى عليه ذو أتى على الناس ، أي
الذي أتى عليهم ، قال أبو منصور : وهي لغة طيئ ، وذو بمعنى الذي " اه .
وفي البيت الذي أنشده في صدر كلامه شاهد كالذي معنا على أن " ذو والتي بمعنى الذي
تكون بالواو ولو كان موضعها جرا أو نصبا ، فإن قول الشاعر " ذو سمعت به " نعت لبيت
تميم المنصوب على أنه اسم إن ، ولو كانت " ذو " معربة لقال : فإن بيت تميم ذا سمعت به ،
فلما جاء بها بالواو في حال النصب علمنا أنه يراها مبنية ، وبناؤها كما علمت على السكون