يعني أنه يجوز فتح " إن " وكسرها إذا وقعت بعد إذا الفجائية ، نحو
" خرجت فإذا إن زيدا قائم " فمن كسرها جعلها جملة ، والتقدير : خرجت
فإذا زيد قائم ، ومن فتحها جعلها مع صلتها مصدرا ، وهو مبتدأ خبره إذا الفجائية ،
والتقدير " فإذا قيام زيد " أي ففي الحضرة قيام زيد ، ويجوز أن يكون الخبر
محذوفا ، والتقدير " خرجت فإذا قيام زيد موجود " ( 1 ) ، ومما جاء بالوجهين قوله :
97 - وكنت أرى زيدا - كما قيل - سيدا
إذا أنه عبد القفا واللهازم
.
هامش
( 1 ) هذان الوجهان اللذان جوزهما المؤلف على تقدير فتح همز أن بعد إذا الفجائية
مبنيان على الخلاف في إذا الفجائية : أهي حرف أم ظرف ؟ ( انظر ص 244 وما بعدها )
فمن قال هي ظرف مكاني أو زماني جعلها الخبر ، وفتح الهمزة ، ومن قال هي حرف أجاز
جعل إن واسمها وخبرها جملة أو جعلها في تأويل مفرد ، وهذا المفرد إما أن يكون خبرا
لمبتدأ محذوف ، وإما أن يكون مبتدأ والخبر محذوفا ، فإن جعلتها جملة كسرت الهمزة ،
وإن جعلتها مفردا فتحت الهمزة .
والحاصل أن من قال " إذا حرف مفاجأة " وهو ابن مالك - جاز عنده
كسر همزة إن بعدها على تقدير أن ما بعدها جملة تامة ، وجاز عنده أيضا فتح الهمزة
على تقدير أن ما بعدها في تأويل مصدر مبتدأ خبره محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف ،
وأما من جعل إذا ظرفا زمانيا أو مكانيا فقد أوجب فتح همزة أن على أنها في تأويل
مصدر مبتدأ خبره الظرف قبله .
ومن هنا يتبين لك أن كلام الناظم وجعله " إن " بعد " إذا " ذات وجهين
لا يتم إلا على مذهبه أن إذا الفجائية حرف ، أو على التلفيق من المذهبين : بأن
يكون الفتح على مذهب من قال بظرفيتها والكسر على مذهب من قال بحرفيتها ، مع
أن من قال بحرفيتها يجوز فيها الفتح أيضا .
97 - هذا البيت من شواهد سيبويه التي لم ينسبوها ، وقال سيبويه قبل أن
ينشده ( 1 472 ) : " وسمعت رجلا من العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به " اه .
اللغة : " اللهازم " جمع لهزمة - بكسر اللام والزاي - وهي طرف الحلقوم ،
ويقال : هي عظم ناتئ تحت الاذن ، وقوله " عبد القفا واللهازم " كناية عن الخسة
والدناءة والذلة ، وذلك لان القفا موضع الصفع ، واللهزمة موضع اللكز ، فأنت إذا
نظرت إلى هذين الموضعين منه اتضح لك أنه يضرب على قفاه ولهزمته ، وليس أحد
يضرب على قفاه ولهزمته غير العبد ، فتعرف من ذلك عبوديته وذلته ودناءته .
المعنى : كنت أظن زيدا سيدا كما قيل لي عنه ، فإذا هو ذليل خسيس لا سيادة له
ولا شرف .
الاعراب : " كنت " كان : فعل ماض ناقص ، والتاء اسمه " أرى " بزنة المبني للمجهول
ومعناه أظن - فعل مضارع ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " زيدا "
مفعوله الأول " كما " الكاف جارة ، وما : مصدرية " قيل " فعل ماض مبني للمجهول
وما المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف : أي كقول الناس ،
والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا ، والتقدير :
ظنا موافقا قول الناس " سيدا " مفعول ثان لأرى ، والجملة من " أرى " وفاعلها
ومفعوليها في محل نصب خبر كان " إذا " فجائية " إنه " إن : حرف توكيد ونصب ،
والهاء اسمه " عبد " خبر إن ، وعبد مضاف و " القفا " مضاف إليه " واللهازم "
معطوف على القفا .
الشاهد فيه : قوله " إذا أنه " حيث جاز في همزة " إن " الوجهان ، فأما الفتح
فعلى أن تقدرها مع معموليها بالمفرد الذي هو مصدر ، وإن كان هذا المفرد محتاجا إلى
مفرد آخر لتتم بهما جملة ، وهذا الوجه يتأتى على الراجح عند الناظم من أن إذا حرف
لا ظرف ، كما أنه يتأتى على القول بأنها ظرف ، وأما الكسر فلتقديرها مع مفعوليها
جملة ، وهي في ابتدائها ، قال سيبويه : " فحال إذا ههنا كحالها إذا قلت : مررت فإذا أنه
عبد ، تريد مررت به فإذا العبودية واللؤم ، كأنك قلت : مررت فإذا أمره العبودية
واللؤم ، ثم وضعت أن في هذا الموضع جاز " اه ، وقال الأعلم : " الشاهد فيه جواز
فتح إن وكسرها يعد إذا ، فالكسر على نية وقوع المبتدأ ، والاخبار عنه بإذا ،
والتقدير فإذا العبودية ، وإن شئت قدرت الخبر محذوفا على تقدير : فإذا العبودية
شأنه " اه .
والمحصل من وجوه الاعراب الجائز في هذا الأسلوب أن نقول لك :
أما من ذهب إلى أن إذا الفجائية ظرف فأوجب فتح همزة إن ، وجعل أن وما دخلت
عليه في تأويل مصدر ، ويجوز لك - حينئذ - ثلاثة أوجه من الاعراب : الأول أن
يكون المصدر مبتدأ خبره إذا نفسها ، والثاني أن يكون المصدر مبتدأ خبره محذوف ،
أي فإذا العبودية شأنه ، أو فإذا العبودية موجودة ، وهذا تقدير الشارح كغيره ،
والثالث أن تجعل المصدر خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير فإذا شأنه العبودية ، وهذا
تقدير سيبويه كما سمعت في عبارته .
وأما من ذهب إلى أن إذا الفجائية حرف فأجاز فتح همزة إن وأجاز كسرها ، فإن
فتحتها فهي ومدخولها في تأويل مصدر ، ولك وجهان من الاعراب ، الأول أن تجعل
المصدر مبتدأ خبره محذوف ، والثاني : أن تجعل المصدر خبر مبتدأ محذوف ، وليس
لك على هذا أن تجعل " إذا " نفسها خبر المبتدأ ، لان إذا حينئذ حرف وليست
ظرفا ، وإن كسرتها فليس لك إلا الاعراب الظاهر ، إذ ليس في الكلام تقدير ،
فاحفظ هذا والله تعالى يرشدك .