إن ، وأن ، وكأن ، ولكن ، وليت ، ولعل ، وعدها سيبويه خمسة ، فأسقط
" أن " المفتوحة لان أصلها " إن " المكسورة ، كما سيأتي .
ومعنى " إن ، وأن " التوكيد ، ومعنى " كأن " التشبيه ، و " لكن "
للاستدراك ، وليت " للتمني ، و " لعل " للترجي والاشفاق ، والفرق بين
الترجي والتمني أن التمني يكون في الممكن ، نحو : " ليت زيدا قائم " وفي غير
الممكن ، نحو : " ليت الشباب يعود يوما " ( 1 ) ، وأن الترجي لا يكون إلا في
الممكن ، فلا تقول : " لعل الشباب يعود " والفرق بين الترجي والاشفاق أن
الترجي يكون في المحبوب ، نحو : " لعل الله يرحمنا " والاشفاق في المكروه نحو :
" لعل العدو يقدم " .
وهذه الحروف تعمل عكس عمل " كان " فتنصب الاسم ، وترفع الخبر ( 2 )
.
هامش
( 1 ) قد وردت هذه الجملة في بيت لأبي العتاهية ، وهو قوله :
ألا ليت الشباب يعود يوما * فأخبره بما فعل المشيب
( 2 ) ههنا أمران يجب أن تتنبه لهما :
الأول : أن هذه الحروف لا تدخل على جملة يجب فيها حذف المبتدأ ، كما لا تدخل
على مبتدأ لا يخرج عن الابتدائية ، مثل " ما " التعجبية ، كما لا تدخل على مبتدأ يجب
له التصدير - أي الوقوع في صدر الجملة كاسم الاستفهام ، ويستثنى من هذا الأخير
ضمير الشأن ، فإنه مما يجب تصديره ، وقد دخلت عليه إن في قول الأخطل التغلبي :
إن من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء
فإن : حرف توكيد ونصب ، واسمها ضمير شأن محذوف ، ومن : اسم شرط مبتدأ
وخبره جملة الشرط وجوابه أو إحداهما ، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن ،
ولا يجوز أن تجعل اسم الشرط اسما لان ، لكونه مما يجب له التصدير ، وقد حمل على
ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون "
فإن : حرف توكيد ونصب ، واسمها ضمير شأن محذوف ، والجار والمجرور متعلق
بمحذوف خبر مقدم ، والمصورون : مبتدأ مؤخر ، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر
إن ، وهذا هو الراجح في إعراب هذا الحديث على هذه الرواية ، ومنهم من جعل من
في قوله " من أشد " زائدة على مذهب الكسائي الذي يجيز زيادة من الجارة في
الايجاب ، ويجعل " أشد " اسم إن . و " المصورون " خبرها وهو مبني على رأي ضعيف ،
ولا تدخل هذه الحروف على جملة يكون الخبر فيها طلبيا أو إنشائيا ، فأما قوله تعالى
( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) وقوله سبحانه ( إن الله نعما يعظكم به ) وقول الشاعر :
إن الذين قتلتم أمس سيدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
فإنها على تقدير قول محذوف يقع خبرا لان ، وتقع هذه الجمل الانشائية معمولة له ،
فيكون الكلام من باب حذف العامل وإبقاء المعمول ، والتقدير : إن الذين قتلتم
سيدهم مقول في شأنهم لا تحسبوا إلخ ، وكذلك الباقي ، هكذا قالوا ، وهو عندي
تكلف والتزام ما لا لزوم له .
ويستثنى من ذلك عند هم أن المفتوحة ، فإنها انفردت بجواز وقوع خبرها جملة
إنشائية ، وهو مقيس فيما إذا خففت نحو قوله تعالى ( وأن عسى أن يكون قد اقترب
أجلهم ) وقوله جل شأنه : ( والخامسة أن غضب الله عليها ) .
الأمر الثاني : أن جماعة من العلماء - منهم ابن سيده - قد حكوا أن قوما من
العرب ينصبون بأن وأخواتها الاسم والخبر جميعا ، واستشهدوا على ذلك بقول
( وينسب إلى عمر بن أبي ربيعة ، ولم أجده في ديوانه ) :
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن * خطاك خفافا ، إن حراسنا أسدا
ويقول محمد بن ذؤيب العماني الفقيمي الراجز يصف فرسا :
كأن أذنيه إذا تشوفا * قادمة أو قلما محرفا
ويقول ذي الرمة :
كأن جلودهن مموهات * على أبشارها ذهبا زلالا
ويقول الراجز :
* يا ليت أيام الصبا رواجعا *
وزعم ابن سلام أن لغة جماعة من تميم - هم قوم رؤبة بن العجاج - نصب الجزأين
بأن وأخواتها ، ونسب ذلك أبو حنيفة الدينوري إلى تميم عامة .
وجمهرة النحاة لا يسلمون ذلك كله ، وعندهم أن المنصوب الثاني منصوب بعامل
محذوف ، وذلك العامل المحذوف هو خبر إن ، وكأنه قال : إن حراسنا يشبهون أسدا ،
يا ليت أيام الصبا تكون رواجع .