لم يذكر سيبويه في " كرب " إلا تجرد خبرها من " أن " ، وزعم المصنف
أن الأصح خلافه ، وهو أنها مثل " كاد " ، فيكون الكثير فيها تجريد خبرها
من " أن " ويقل اقترانه بها ، فمن تجريده قوله :
91 - كرب القلب من جواه يذوب * حين قال الوشاة : هند غضوب
وسمع من اقترانه بها قوله :
92 - سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما
وقد كربت أعناقها أن تقطعا
.
هامش
91 - قيل : إن هذا البيت لرجل من طيئ ، وقال الأخفش : إنه للكلحبة
اليربوعي أحد فرسان بني تميم وشعرائهم المجيدين .
اللغة : " جواه " الجوى : شدة الوجد " الوشاة " جمع واش ، وهو التمام الساعي
بالافساد بين المتوادين ، والذي يستخرج الحديث بلطف ، ويروى " حين قال العذول "
وهو اللائم " غضوب " صفة من الغضب يستوي فيها المذكر المؤنث كصبور .
المعنى : لقد قرب قلبي أن يذوب من شدة ما حل به من الوجد والحزن ، حين
أبلغني الوشاة الذين يسعون بالافساد بيني وبين من أحبها أنها غاضبة علي .
الاعراب : " كرب " فعل ماض ناقص " القلب " اسمه " من جواه " الجار
والمجرور متعلق بقوله " يذوب " الآتي ، أو بقوله " كرب " السابق ، وجوى مضاف
وضمير الغائب العائد إلى القلب مضاف إليه " يذوب " فعل مضارع ، وفاعله ضمير
مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى القلب ، والجملة من يذوب وفاعله في محل نصب
خبر كرب " حين " منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بقوله يذوب السابق " قال "
فعل ماض " الوشاة " فاعل قال " هند " مبتدأ " غضوب " خبره ، وجملة المبتدأ
والخبر في محل نصب مقول القول ، وجملة قال وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة
" حين " إليها .
الشاهد فيه : قوله " يذوب " حيث أتى بخبر " كرب " فعلا مضارعا مجردا
من أن .
92 - البيت لأبي يزيد الأسلمي ، من كلمة له يهجو فيها إبراهيم بن هشام
ابن إسماعيل بن هشام بن المغيرة ، والى المدينة من قبل هشام بن عبد الملك بن مروان
وكان قد مدحه من قبل فلم ترقه مدحته ، ولم يعطه ، ولم يكتف بالحرمان ، بل أمر به
فضرب بالسياط ، وأول هذه الكلمة قوله :
مدحت عروقا للندى مصت الثرى
حديثا ، فلم تهمم بأن تترعرعا
نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى
وحلبت الأيام والدهر أضرعا
اللغة : " مصت الثرى حديثا " أراد أنهم حديثو عهد بنعمة ، فكنى عن ذلك
المعنى بهذه العبارة ، ولما عبر عنهم أولا بالعروق جعل الكناية من جنس ذلك الكلام
" بأن تترعرعا " يروى براءين مهملتين بينهما عين مهملة ، ويروى " تتزعزها "
بزاءين معجمتين بينهما عين مهملة كذلك ، ومعناه تتحرك ، يريد أنهم حدثت لهم
النعمة بعد البؤس والضيق ، فليس لهم في الكرم عرق ثابت ، فهم لا يتحركون للبذل ،
ولا تهش نفوسهم للعطاء " نقائذ " جمع نقيذ ، بمعنى اسم المفعول ، يريد أن ذوي قرابة
هؤلاء أنقذوهم من البؤس والفقر " أضرع " هو جمع ضرع ، والعبارة مأخوذة
من قول العرب : حلب فلان الدهر أشطره ، يريدون ذاق حلوه ومره " ذوو
الأحلام " أصحاب العقول ، ويروى " ذوو الأرحام " وهم الأقارب من جهة النساء
" سجلا " - بفتح فسكون - الدلو ما دام فيها ماء قليلا كان ما فيها من الماء أو كثيرا ،
وجمعه سجال ، فإن لم يكن فيها ماء أصلا فهي دلو لا غير . ولا يقال حينئذ سجل ،
والغرب - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة ، وكذلك الذنوب - بفتح الذال
المعجمة - مثل السجل ، يريد أن الذي منحه ذوو أرحام هؤلاء إياهم شئ كثير لو وزع
على الناس جميعا لوسعهم وكفاهم ، ولكنهم قوم بخلاء ذوو أثرة وأنانية ، فلا يجودون
وإن كثر ما بأيديهم وزاد عن حاجتهم .
المعنى : إن هذه العروق التي مدحتها فردتني إنما هي عروق ظلت في الضر والبؤس
حتى أنقذها ذوو أرحامها بعد أن أوشكت أن تموت ، ويقصد بذوي أرحامها
بني مروان .
الاعراب : " سقاها " سقى : فعل ماض ، وضمير الغائبة مفعوله الأول " ذوو "
فاعل سقى ، وذوو مضاف ، و " الأحلام " مضاف إليه " سجلا " مفعول ثان لسقى
" على الظما " جار ومجرور متعلق بسقاها " وقد " الواو واو الحال ، قد : حرف
تحقيق " كربت " كرب : فعل ماض ناقص ، والتاء تاء التأنيث " أعناقها " أعناق
اسم كرب ، وأعناق مضاف والضمير مضاف إليه " أن " مصدرية " تقطعا " فعل
مضارع حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتقطعا منصوب بأن ، والألف للاطلاق ،
والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى أعناق ، والجملة في محل نصب خبر
كرب ، والجملة من كرب واسمها وخبرها في محل نصب حال .
الشاهد فيه : قوله " أن تقطعا " حيث أنى بخبر " كرب " فعلا مضارعا مقترنا بأن
وهو قليل ، حتى إن سيبويه لم يحك فيه غير التجرد من " أن " ، وفي هذا البيت ( و ) ؟
عليه ، ومثله قول الراجز ، وهو العجاج بن رؤبة :
قد برت أو كربت أن تبورا لما رأيت ييهسا مثبورا
ومن ورود خبر " كرب " مضارعا غير مقترن بأن سوى الشاهد السابق ( رقم
91 ) قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
فلا تحرمي نفسا عليك مضيقة وقد كربت من شدة الوجد تطلع