خبرها أن يتجرد ( 1 ) من " أن " ويقل اقترانه بها ، وهذا بخلاف ما نص عليه
الأندلسيون من أن اقتران خبرها ب " أن " مخصوص بالشعر ، فمن تجريده من
" أن " قوله تعالى : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) وقال : ( من بعد ما كاد
تزيغ قلوب فريق منهم ) ( 1 ) ومن اقترانه ب " أن " قوله صلى الله عليه وسلم :
" ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب " وقوله :
88 - كادت النفس أن تفيض عليه إذ غدا حشو ريطة وبرود
* * *
.
هامش
( 1 ) ومثل الآيتين الكريمتين قول أحد أصحاب مصعب بن الزبير ، يرثيه وهو
الشاهد ( رقم 149 ) الآتي في باب الفاعل :
لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا * وكاد - لو ساعد المقدور - ينتصر
الشاهد فيه : قوله " كاد ينتصر " فإن الفعل المضارع الواقع خبرا لكاد لم يقترن بأن .
88 - هذا البيت من الشواهد التي يذكرها كثير من النحاة وعلماء اللغة غير
منسوبة إلى قائل معين ، وقد عثرنا بعد طويل البحث على أنه من كلمة لمحمد بن مناذر ،
أحد شعراء البصرة يرثي فيها رجلا اسمه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي ، وقبله :
إن عبد المجيد يوم توفي * هد ركنا ما كان بالمهدود
ليت شعري ، وهل درى حاملوه ما على النعش من عفاف وجود ؟
اللغة : " تفيض " من قولهم " فاضت نفس فلان " ويرى في مكانه " تفيظ " وكل
الرواة يجيزون أن تقول " فاضت نفس فلان " إلا الأصمعي فإنه أبي إلا أن تقول
" فاظت نفس فلان " بالظاء ، وكلام غير الأصمعي أسد ، فهذا البيت الذي نشرحه
دليل على صحته ، وكذلك قول الآخر :
تفيض نفوسها ظمأ ، وتخشى * حماما ، فهي تنظر من بعيد
قول الراجز :
تجمع الناس ، وقالوا : * عرس ففقئت عين ، وفاضت نفس
وقول الشاعر في بيت الشاهد " ريطة " بفتح الراء وسكون الياء المثناة - الملاءة
إذا كانت قطعة واحدة ، وأراد هنا الأكفان التي يلف فيها الميت .
الاعراب : " كادت " كاد : فعل ماض ناقص ، والتاء للتأنيث " النفس " اسم
كاد " أن " مصدرية " تفيض " فعل مضارع منصوب بأن ، وفاعله ضمير مستتر فيه
جوازا تقديره هي يعود للنفس ، والجملة خبر " كاد " في محل نصب " عليه " جار
ومجرور متعلق بقوله تفيض السابق " إذ " ظرف للماضي من الزمان متعلق بقوله
" تفيض " أيضا " غدا " فعل ماض بمعنى صار ، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره
هو يعود على عبد المجيد المرثي " حشو " خبر غدا ، وحشو مضاف و " ريطة " مضاف
إليه " وبرود " معطوف على ريطة .
الشاهد فيه : قوله " أن تفيض " حيث أنى بخبر " كاد " فعلا مضارعا مقترنا بأن ،
وذلك قليل ، والأكثر أن يتجرد منها ، ومثل هذا البيت قول الشاعر :
أبيتم قبول السلم منا ، فكدتم لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل
وقول رؤبة بن العجاج :
ربع عفاه الدهر طولا فامحى * قد كاد من طول البلى أن يمصحا
ومنه قول جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه ! - " كاد قلبي أن يطير " ومع ورود
المضارع الواقع خبرا لكاد مقترنا بأن - في الشعر والنثر نرى أن قول الأندلسيين : إن
اقترانه بأن مع كاد ضرورة لا يجوز ارتكابها إلا في الشعر ، غير سديد ، والصواب
ما ذكره الناظم وهو في هذا تابع لسيبويه .