Skip to main content

مشرق الشمسين وإكسير السعادتين ( الملقب بمجمع النورين ومطلع النيرين ) — Page 288

Contributors:

P.288
أما المحملان اللذان حملوا عليهما قراءة الجر فهما بمراحل عن جادة الصواب أما الحمل على أن المراد تعليم مسح الخفين فلا يخفى ما فيه من البعد ولهذا أعرض عنه المحققون من المفسرين إذ لم يجر للخفين ذكر ولا دلت عليهما قرينة وليس الغالب بين العرب لبسهما وسيما أهل مكة والمدينة زادهما الله عزا وشرفا فكيف يقتصر سبحانه في ابتداء تعليم كيفية الوضوء على كيفية وضوء لابس الخف فقط ويترك وضوء من سواه وهو الغالب إلا هم وأما الحمل على أن الجر لمجاورة الأرجل الرؤس فأول ما فيه أن جر الجوار ضعيف جدا حتى أن أكثر أهل العربية أنكروه ولم يعولوا عليه ولهذا لم يذكره صاحب الكشاف في توجيه قراءة الجر وتمحل لها وجها آخر وأيضا فإن المجوزين له إنما جوزوه بشرطين الأول عدم تأديته إلى الالتباس على السامع كما في المثال المشهور إذ الخرب إنما يوصف به الجحر لا الضب والثاني أن لا يكون معه حرف العطف والشرطان مفقودان في الآية الكريمة أما الأول فلأن تجويز جر الجوار يؤدي إلى التباس حكم الأرجل لتكافؤ احتمال جرها بالجوار المقتضي لغسلها وجرها بالعطف على الأقرب المقتضي لمسحها فإن قلت إنما يجئ اللبس لو لم يكن في الآية قرينة على أنها مغسولة لكن تحديدها بالآية قرينة على غسلها إذ المناسب عطف ذي الغاية على ذي الغاية لا على عديمها وتناسب المتعاطفين أمر مرغوب فيه في فن البلاغة قلت هذه القرينة معارضة بقرينة أخرى دالة على كونها ممسوحة وهي المحافظة على تناسب الجملتين المتعاطفتين فإنه سبحانه لما عطف في الجملة الأولى ذا الغاية على غير ذي الغاية ناسب أن يكون العطف في الجملة الثانية أيضا على هذه الوتيرة وعند تعارض القرينتين يبقى اللبس بحاله وأما الشرط الثاني فأمره ظاهر فإن قلت قد جاء الجر بالجوار في قوله تعالى وحور عين في قراءة حمزة والكسائي مع أن حرف العطف هناك موجود وليست معطوفة على أكواب بل على ولدان لأنهن طايفات بأنفسهن وجاء أيضا في قول الشاعر فهل أنت إن ماتتا تانك راحل إلى آل بسطام بن قيس مخاطب بعطف خاطب على راحل وجره بجوار قيس قلت أما الآية الكريمة فليس جر حور عين فيها بالجوار كما ظننت بل إنما هو بالعطف على جنات أي هم في جنات ومصاحبة حور عين أو على أكواب أما لأن معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بأكواب كما في الكشاف وغيره أو لأنه يطاف بالحور بينهم مثل ما يجاء بسراري الملوك إليهم كما في تفسير الكواشي وغيره ودعوى كونهن طايفات بأنفسهن لا مطافا بهن لم يثبت بها رواية ولم يشهد لها دراية وأما البيت فبعد تسليم كونه من قصيدة مجرورة القوافي فلا نسلم كون لفظة خاطب اسم الفاعل لجواز كونها فعل أمر أي فخاطبني وأجبني عن سؤالي وإن سلمنا ذلك فلا نسلم كونها مجرورة لكثرة الأقوال به في شعر العرب العرباء حتى قل أن يوجد لهم قصيدة سالمة عنه كما نص عليه الأدباء فلعل هذا منه وإن سلمنا كونها مجرورة بالجوار فلا يلزم من وقوع جر الجوار مع العطف في الشعر جوازه في غيره إذ يجوز في الشعر لضرورة الوزن أو القافية ما لا يجوز في غيره درس وأما المحمل الثالث الذي تمحله صاحب الكشاف حيث قال فإن قلت فما تصنع بقراءة الجر ودخول الأرجل في حكم المسح قلت الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه فعطفت على الرابع الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الإقتصاد في
مشرق الشمسين وإكسير السعادتين ( الملقب بمجمع النورين ومطلع النيرين ) — Page 288 | الشيخ البهائي العاملي