Skip to main content

مشرق الشمسين وإكسير السعادتين ( الملقب بمجمع النورين ومطلع النيرين ) — Page 404

Contributors:

P.404
الخطاب والجري على هذا النمط المستطاب منها أن من بيده هدية حقيرة معيبة وأراد أن يهديها إلى ملك عظيم ويطلب منه حاجته فإن عرضها عليه بالمواجهة وطلب حاجته بالمشافهة كان ذلك أقرب إلى قبول الهدية ونجاح الحاجة من العرض بدون المواجهة فإن في رد الهدية في وجه المهدي لها كسرا عظيما لخاطره فلا يصدر عن الكريم ومنها انطباق الكلام في هذه السورة الكريمة على قانون السلوك والسير إلى الحق سبحانه وجريانه على وفق حال السالك من مبادئ سيره إلى حين وصوله من اشتغاله بالذكر والفكر والتأمل في أسمائه والنظر في الآية والاستدلال بضائعه على عظم شأنه وباهر سلطانه ثم لا يزال على ذلك حتى يلوح له بروق الظهور وتبدو له ما سر عن الحضور وتؤد به رياضته المجاهدة إلى روضة المشاهدة فيخوض حينئذ لجة الوصول ويخترق حجب الغيبة بأنوار الشهود ورزقنا الله سبحانه وساير الأحباب ذلك بمنه وكرمه فقد تضمنت هذه السورة شرح أدب السير إلى ذلك الباب وتعليم قانون العروج إلى تلك الأعتاب الإرشاد إلى ما هو ثمرة ذلك اليسر ونتيجته من المقامات العزيزة المنال والغايات التي لا يكشف عنها المقال ولعل ذلك هو المقتضي لوجوب قرائتها في الصلاة التي هي معراج العبد ومنها أن الحمد لما كان عبارة عن إظهار صفات الكمال والنداء على الجميل كما قاله صاحب الكشاف وغيره يكون المخاطب به غيره تعالى إذ لا معنى لإظهار صفاته العليا عليه جل شأنه فالمناسب له طريق الغيبة وأما العبادة فهي أمر بين العبد وربه فلا وجه لإظهار ها على الأغيار بل ينبغي كتمانها عما عدا المعبود وعدم إظهارها لأحد سواه فالأنسب بها طريق الخطاب ومنها التلويح بما ورد في الحديث ا عبد الله كما تراه ففي هذا الالتفات إشعار بأن العبادة الشاملة عن القصور هي التي يكون العابد حال الاشتغال مستغرقا في بحر الحضور كأنه مشاهد لجلال معبوده مطالع بجمال مقصوده ومنها أن المقام مقام هائل عظيم يتلجلج فيه اللسان ويدهش عنده الإنسان فإن الملك العظيم الشأن إذا أمر بعض عبيده بخدمة كقرائة كتاب مثلا بحضرته فربما غلبت مهابة ذلك الملك على قلبه واستولت على لبه وحصل له رعشة واعترى له دهشة فيتغير نسق كلامه ويخرج عن أسلوبه ونظامه فمن حق القاري أن يحصل له مثل ذلك الحال في مقام المقام عند سرادق العظمة والجلال ومنها الإشارة إلى أن حق الكلام أن يجري من أول الأمر على طريق الخطاب لأنه سبحانه حاضر لا يغيب بل هو أقرب من كل قريب ولكنه إنما جرى على طريق الغيبة نظرا إلى البعد عن مظان الزلفى رعاية لقانون الأدب الذي هو دأب السالكين وقانون العاشقين كما قيل طرق العشق كلها آداب فلما حصل القيام بهذه الوظيفة جرى الكلام على ما كان حقه أن يجري عليه في ابتداء الذكر فقد قال سبحانه أنا جليس من ذكرني ومنها التنبيه على علو مرتبة القرآن المجيد واعتلاء شأنه وسميا آياته المتضمنة لذكر الله عز شأنه وأن العبد بإجراء هذا القدر منه على لسانه يصير أهلا للخطاب فائزا بسعادة الحضور والاقتراب فكيف لو لازم وظائف الأذكار وواظب على تلاوته بالليل والنهار فلا ريب في ارتفاع الحجب من البين والوصل من الأثر إلى العين وقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال لقد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون وروي عنه أنه خر مغشيا عليه وهو في الصلاة فسئل عن ذلك فقال ما زلت أردد هذه الآية حتى سمعتها من