درس من الماضي
*
اعتاد كثيرون من خطباء الجوامع والكنائس أن يأمروا بتقوى الله ، وينهوا
عن معصيته ، يوجهون هذه الموعظة - في الغالب - إلى المستضعفين الذين يظلمهم
الأقوياء ولا يستطيعون أن يظلموا أحدا ، فيخوفوهم من نار جهنم تشوي وجوههم
وأفئدتهم ، كلما نضجت بدلهم غيرها كي يدوم عليهم العذاب الأليم .
أما الأقوياء الطغاة الذين يملكون الأطيان والبنايات ، والأثاث والسيارات ،
ويملأون البنوك والمصارف بما اختلسوه من أقوات العباد فيمجدونهم ويسبحون
بحمدهم ، ويلتمسون العلل لتبرير عدوانهم ، ويعدونهم بجنة عرضها السماوات
والأرض ، وبقصور أضخم من قصورهم في الدنيا ، وببساتين أوسع من بساتينهم
في هذه الدار ، وبحور أجمل من الراقصات والارتستات اللائي أنفقوا عليهن
الألوف ، وبخمور ألذ وأشهى مما يشربونها في المواخير والحانات .
ومنذ القديم كان وعاظ المساجد يتقربون إلى الملوك والحكام أمثال الطاغية
عبد الحميد ، والفاسق فاروق يتقربون إليهم بالدعاء لهم في خطب الجمعة بأن
يديم الله لهم القوة والعز ، والغلبة والنصر متجاهلين قول الله سبحانه " ولا تركنوا
إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " وقول الرسول الأعظم " ما ازداد رجل من
السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا - من أرضى سلطانا بما سخط الله خرج من
دين الإسلام . "
إن أمثال هؤلاء الوعاظ يهددون ويهولون على المساكين الذين لا يستطيعون
حيلة ولا وسيلة ويبشرون المترفين بما أعد الله لهم من الثواب الجزيل والأجر
هامش
* نشر في جريدة الهدف 23 أيلول سنة 1954 .