فأما الكلام في توبة طلحة فهو على المخالف أضيق وأحرج من
الكلام في توبة الزبير ، لأن طلحة قتل بين الصفين ، وهو مباشر
للحرب مجتهد فيها ، ولم يرجع عنها حتى أصابه السهم ، فأتى على نفسه
وادعاء توبة مثل هذا مكابرة .
فأما قوله : ( إنه لما أصابه السهم انشد البيت الذي ذكره وأنه يدل
على توبته ) فبعيد من الصواب ، بل البيت المروي بأنه يدل على خلاف
التوبة أولى لأنه جعل ندمه مثل ندامة الكسعي وخبر الكسعي
معروف ( 1 ) لأنه ندم حيث لا ينفعه الندامة ، وحيث فات الأمر وخرج عن
يده ، ولو كان ندم طلحة واقعا على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل
ندامة الكسعي ، بل كان شبيها لندامة من تلافى ما فرط على وجه ينتفع
به .
فأما قوله : ( ما رأيت مصرع شيخ أضيع من مصرعي ) فهو أيضا
دليل على ضد التوبة النافعة لأنه لو كان واثقا بأن ندمه قد وقع موقعه لم
يقل هذا القول ، ويجوز أن يريد بأن مصرعه ضائع أنه قتل دون بلوغ
هامش
( 1 ) الكسعي : غامد بن الحرث كان لديه قوس وخمسة أسهم فمر به قطيع من
الظباء فكمن في قترة وهي ناموس الصائد - فرمى ظبيا فأمخطه السهم أي نفذ فيه -
وصدم الجبل فأورى نارا فظن أنه قد أخطأ فرمى ثانيا وثالثا إلى آخرها وهو يظن خطأه
فعمد إلى قوسه فكسرها ثم بات فلما أصبح فإذا الظباء مطرحة ، وأسهمه بالدم
مضرجة فعض إبهامه وأنشد :
ندمت ندامة لو أن نفسي * تطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني * لعمر أبيك حين كسرت قوسي
فضرب بندمه المثل قال الفرزدق :
ندمت ندامة الكسعي لما * غدت مني مطلقة نوار
( انظر العقد الفريد 6 / 125 والقاموس المحيط مادة " كسع " ) .