فأما تزويجه بنته ، فلم يكن ذلك عن اختيار ، والخلاف فيه
مشهور ، فإن الرواية وردت بأن عمر خطبها إلى أمير المؤمنين عليه السلام
فدافعه وماطله ، فاستدعى عمر العباس فقال : ما لي ، أبي بأس ؟ ،
فقال : ما حملك على هذا الكلام ؟ فقال : خطبت إلى ابن أخيك فمنعني
لعداوته لي ، والله لأغورن زمزم ، ولأهدمن السقاية ، ولا تركت لكم - بني
هاشم - مأثرة إلا هدمتها ، ولأقيمن عليه شهودا بالسرقة ، ولأقطعنه ،
فمضى العباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فخبره بما سمع من الرجل ،
فقال قد أقسمت ألا أزوجها إياه ، فقال رد أمرها إلي ، ففعل فزوجه
العباس إياها ، ويبين أن الأمر جرى على إكراه ما روي عن أبي عبد الله
جعفر بن محمد عليهما السلام من قوله ( ذلك فرج غصبنا عليه ) ( 1 ) على
هامش
( 1 ) في النفس من هذه الرواية شئ فاللازم أن ترد على راويها ، لا لمنع أصل
الوقوع ولكن حاشى لله أن يبلغ الأمر من اضطهاد أهل البيت إلى اغتصاب بناتهم " يأبى
الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون " فالأمر بهذه الصورة ممنوع ، كما أنه ممنوع أيضا بالصورة
التي يرويها بعضهم من أن أمير المؤمنين أرسلها إليه وبيدها رداء لتقول له : " يقول أبي
أيعجبك هذا الرداء " معرضا بها فيأخذ الرجل بساقها فتغضب ، فيقول : رفئوني
رفئوني ، فلو أن أبرد الناس حمية ، وأضعفهم نفسا قيل له : ابعث إلي بتصوير ابنتك
لأراها فأتزوجها لعد ذلك خدشا لكرامته ، وطعنا في شرفه فكيف بفتى الفتيان ، ثم
كيف يمد الشيخ إليها يده والعقد لم يجر بعد ، والرواية لم تشر إليه من قريب أو بعيد !
وللشيخ المفيد في جواب المسائل السروية كلام حول الموضوع ننقل لك منه ما يتعلق
بالغرض قال : " إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر لم
يثبت ، وطريقه من الزبير بن بكار ولم يكن موثوقا به في النقل ، وكان متهما فيما ذكره
من بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام وغير مأمون ، والحديث نفسه مختلف فتارة يروى
أن أمير المؤمنين تولى العقد له على ابنته ، وتارة يروى عن العباس أنه تولى ذلك عنه ،
وتارة يروى أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم ، وتارة يروى أنه
عن اختيار وإيثار ، ثم بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا سماه زيدا ، وبعضهم
يقول : إن لزيد بن عمر عقبا ، ومنهم من يقول : قتل ولا عقب له ، ومنهم من
يقول : إنه وأمه قتلا ومنهم من يقول إن أمه بقيت بعده ، ومنهم من يقول : إن عمر
أمهر أم كلثوم أربعين ألف درهم ، ومنهم من يقول : أمهرها أربعة آلاف درهم ومنهم
من يقول : كان مهرها خمسمائة درهم وهذا الاختلاف مما يبطل الحديث ( انظر رسائل
المفيد ص 61 وج 42 / 107 من بحار الأنوار ) .