قال صاحب الكتاب : " وبعد ، فإن كل ذلك يلزمهم في الأمراء
فيقال لهم فيجب إذا كانوا يقومون بهذه الأمور أن يكونوا عالمين بكل
الأحكام للوجه الذي ذكرتم ، وأن لا يجوز أن يرد التعبد باختيار أمير
وحاكم لا يكون بهذه الصفة ، وبطلان ذلك يبين فساد ما تعلقوا به ، فمن
هذا الوجه ألزمهم شيوخنا في أمراء الإمام أن يكونوا عالمين بكل ما يعلمه
الإمام . . . " ( 1 ) .
يقال له : ليس أمراء الإمام وحكامه بولاة في جميع الدين ، وليس
إليهم الحكم في جميع ما يحكم فيه الإمام ، ولو كانوا بهذه الصفة للزم فيهم
ما أوجبناه في الإمام ، وكيف يكونون حكاما في جميع الدين وقد يلزمهم في
كثير من الحوادث والنوائب مطالعة الإمام والرجوع إلى حكمه فيها ،
ويكون محظورا عليهم الاستبداد بإمضائها دونه والذي يجب في الأمير
والحاكم أن يكون كل واحد منهما عالما بما أسند إليه ، وقصرت ولايته
عليه ، ولهذا ما يكون للإمام في البلد الواحد خلفاء جماعة فيكون بعضهم
خليفة له على تدبير الجماعة والحرب وسد الثغور ، وبعضهم على الخراج
وجباية الأموال ، وبعضهم على الأحكام والقضاء بين الناس ، ويجوز أيضا
أن يكون له على الأحكام الشرعية جماعة من الخلفاء يختص واحد بولاية
الحكم في الجزء الذي يحسنه من الشريعة ويقوم به ، وكل هذا مما لا يمكن
أن يكون في الإمام مثله ، لأن ولايته عامة غير خاصة ، وهو إمام في الكل
وحاكم في الجميع ، فالذي يجب على قياس قولنا في الإمام أن يكون الأمير
أو الحاكم عالما بما تولاه وفوض إليه ، وهكذا نقول على أن الأمراء لو
وجب فيهم العلم بسائر الأحكام مثل الإمام لم يستحل حصول ولايتهم
بالاختيار ، ولم يجب النص عليهم على الحد الذي ذكرناه في الإمام لأنا إنما
هامش
( 1 ) المغني 20 ق 1 / 106 .