والأصل الثاني لا خلاف بيننا وبين صاحب الكتاب فيه ، وإن كنا
مختلفين في علته لأنا نوجب أن الحق لا يخرج من جملتهم من حيث ثبت أن
بينهم معصوما لا يجوز أن يخلو منه زمان من الأزمنة ، وصاحب الكتاب
يوجب مثل ما أوجبنا بغير علتنا وقد تقدمت الأدلة على أن الإمام لا يخلو
الزمان منه ، وأنه لا يكون إلا معصوما فقد صار الأصل الثاني أيضا مدلولا
عليه ولحق بالأول ، وإذا ثبت الأصلان اللذان ذكرناهما ووجدنا الأمة في
الإمامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله على ثلاثة أقوال ليس وراءها
رابع .
أحدها - قول من ذهب إلى أن الإمام بعده أمير المؤمنين عليه السلام
بنصه صلى الله عليه وآله بالإمامة وهو قول الشيعة على اختلافها .
والآخر - قول من ذهب إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده على اختلاف
مذاهبهم في اعتقاد النص عليه أو الاختيار وهو قول أكثر مخالفينا في
الإمامة من المعتزلة وأصحاب الحديث والمرجئة ( 1 ) ومن وافقهم .
والثالث - قول العباسية الذين ذهبوا إلى أن العباس رضي الله عنه
هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله على شذوذهم وانقراضهم ، وقلة
عددهم في الأصل ، ووجدنا قول من أثبت إمامة أبي بكر وقول من أثبت
هامش
( 1 ) المرجئة حصرهم الشهرستاني في الملل والنحل 1 / 139 في أربعة أصناف
مرجئة الخوارج ، ومرجئة القدرية ومرجئة الجبرية ، والمرجئة الخالصة ، وذكر أقوالهم
وما ينفرد به كل صنف من الآراء ، وقال البغدادي في الفرق بين الفرق ص 19 : هم
خمس فرق ، ثم ذكر آرائهم بما لا يخرج عما ذكره الشهرستاني ، وعلى كل حال فإن
اسمهم مشتق من الارجاء بمعنى التأخير لأن بعضهم يؤخر حكم صاحب الكبيرة إلى
يوم القيامة ، أو أن اسمهم مأخوذ من إعطاء الرجاء ، وعلى هذا المعنى فإنهم يقولون :
لا تضر مع الأيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة .