دياناتهم ومذاهبهم ، بل إظهارهم لما عدا الاعتقاد في النص آكد وأظهر ،
فتجويز مخالفة باطنهم لظاهرهم في أحد الأمرين كتجويزه في الأخرى على
أن المدعي للعلم بباطن الصحابة في هذا الوجه لا يجد فصلا بينه وبين من
ادعى العلم من الحشوية ( 1 ) وأصحاب الحديث بباطن من بقي من
الصحابة والتابعين في عفة معاوية واعتقاد إمامته وتصويبه ، والرضا
بأحكامه بعد موت الحسن بن علي عليهما السلام ، فإنه لم يوجد في تلك
الأحوال إلا مظهرا لما ذكرناه ، ويقول مثل قول صاحب الكتاب : إني كما
أعلم من نفسي اعتقاد إمامة معاوية وتصويبه في أحكامه ، فهكذا أنا
مضطر إلى أن جماعة المسلمين ، ووجوه الصحابة والتابعين ، في الأحوال التي
أشرنا إليها كانوا معتقدين لمثل ذلك ، وليس يجد صاحب الكتاب مهربا
من هذه المعارضة ، ولا يتعلق بشئ يجعله فصلا إلا ويمكننا أن نقابله بمثله
فيما ادعاه .
فأما تعلقه بإكرام الرسول صلى الله عليه وآله للقوم وتعظيمه لهم ،
وأن الخبر بذلك متواتر ، فمما لا يؤثر فيما ذهبنا إليه ، لأن جميع ما روي
من التعظيم والاكرام - إذا صح - فليس يقتضي أكثر من حسن الظاهر
وسلامته في الحال ، فأما أن ينفي ما يقع منهم في المستقبل من قبيح فغير
متوهم ، وإذا كان دفع النص والعمل بخلافه إنما وقع بعد الرسول صلى
الله عليه وآله فكيف يكون مدحه في حياته لهم وإكرامه ينافيه ويمنع منه ؟
فإن قال : إنما عنيت إن الاكرام والمدح والإعظام يمنع من وقوع
النفاق في تلك الحال .
هامش
( 1 ) الحشوية : في تاج العروس مادة حشا 10 / 90 " الحشوية طائفة من
المبتدعة " كأن اسمهم مأخوذ من الحشو في الكلام أي الزيادة فيه بما لا طائل تحته .