( 1 )
فصل
فمن فقهاء الجمهور ورواتهم عبد الله بن عمر ، قعد عن بيعة علي ونصرته ،
وتمسك بيزيد وبيعته ، ففي الحديث الحادي والثمانين من الجمع بين الصحيحين
لما خلع أهل المدينة يزيد ، جمع أهله وحشمه ، وقال : سمعنا النبي صلى الله عليه وآله يقول :
ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ، وإني لا أعلم أغدر ممن بايع رجلا ثم نصب
له القتال .
وفي الحديث الخامس والخمسين منه أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان
يبايعه ، وفي الحديث الخامس والستين بعد المائة من المتفق عليه لما سمعت عائشة
عنه أن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت : نسي أو أخطأ ( 1 ) إنما قال النبي صلى الله عليه وآله في
هامش
( 1 ) قال البخاري في صحيحه باب قول النبي صلى الله عليه وآله : يعذب الميت
ببعض بكاء أهله عليه ( ج 1 ص 222 الطبعة التي بهامشها الحاشية السندي ) : حدثنا عبدان
حدثنا عبد الله أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال : توفيت
ابنة لعثمان بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس وإني لجالس بينهما . . .
فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وآله
قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه .
إلى أن قال : قال ابن عباس : فلما أصيب عمر ، دخل صهيب يبكي يقول : واأخاه
وا صاحباه فقال عمر : يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الميت
يعذب ببعض بكاء أهله عليه ؟
قال ابن عباس فلما مات عمر ، ذكرت ذلك لعائشة فقالت : رحم الله عمر ، والله
ما حدث رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول
الله قال : إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ، وقالت : حسبكم الآن ( ولا تزروا
وازرة وزر أخرى ) .
وروى في حدويث آخر عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أنها سمعت عائشة زوج
النبي صلى الله عليه وآله قالت : إنما مر رسول الله على يهودية يبكى عليها أهلها فقال :
إنهم ليبكون عليها ، وإنما لتعذب في قبرها .
وروى البخاري أيضا في باب البكاء عند المريض ج 1 ص 226 من صحيحه عن
عبد بن الله عمر في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن الميت يعذب ببكاء
أهله عليه ، وزاد بعده : وكان عمر يضرب فيه بالعصا ويرمى بالحجارة ويحثى بالتراب .
قال السيد شرف الدين في النص والاجتهاد ص 174 : كانت عائشة وعمر في هذه
المسألة على طرفي نقيض ، فكان عمرو ابنه عبد الله يرويان عن النبي صلى الله عليه وآله أنه
قال : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، وفي رواية ببعض بكاء أهله عليه ، وفي ثالثة : ببكاء
الحي عليه ، وفي رابعة يعذب في قبره بما ينح عليه ، وفي خامسة : من يبك عليه يعذب
وهذه الروايات كلها خطأ من راويها بحكم العقل والنقل .
أقول : قد أورد قدس سره في ذاك الفصل من كتابه ، روايات كثيرة صحيحة في أن
النبي صلى الله عليه وآله بكى على حمزة سيد الشهداء ، وأنه بكى حين بكت فاطمة ابنته
وأنه بكى على جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وقال : أخواي ومؤنساي ومحدثاي .
وروى عن البخاري في صحيحه باب قول النبي إنا بك محزونون من أبواب الجنائز
ص 226 ج 1 عن أنس قال : دخلنا عليه صلى الله عليه وآله وإبراهيم - ابنه صلى الله عليه
وآله - يجود بنفسه ، فجعلت عينا رسول الله تذرفان ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت
يا رسول الله ؟ فقال : يا ابن عوف إنها رحمة ، ثم أتبعها بأخرى فقال : إن العين تدمع ،
والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون .