وفروعه ، فقد تولت المذاهب المصطنعة خصيصا لهذا الأمر ، مواجهتهم والرد
عليهم ، بحجج العقل والنقل ؟ .
ما كاد القرن الرابع يلفظ أنفاسه الأخيرة ، حتى كان لخصوم الشيعة
الإمامية ترسانة من الأدلة والوقائع ، احتضنتها مذاهب ومدارس ، وتراث
ضخم يخدم هذا الغرض . وهذا التراث الضخم لم يخدم في الواقع الحقيقة
بل خدم الملك والسياسة ، وساعد في توطيد حكم زائف محسوب على
الإسلام حكم انتهكت فيه الكرامة الإنسانية ، وحقوق الإنسان الطبيعية
باسم الإسلام .
وكتب التاريخ ما زالت تقطر دما من فضائع اقترفها في حق الإنسانية
حكام بني أمية وبني العباس ، ولا يمكن لأرباب المدارس الفقهية المعينين من
طرف السلطان أن يبرروا هذه الجرائم ، مهما أوتوا من قوة الجدل واصطنعوا
من حيل ومكر تشيب له الولدان ، لأن الظلم ، ظلم ، حتى الحيوانات العجماء
تعرفه وتفر منه . يسأل هارون الرشيد أحد ندمائه عن ابنه هل يحفظ القرآن
فيجيب بالتأكيد ، ولما يسأل الخليفة الابن ، لا يجده يحفظ من كتاب الله شيئا ،
فيلتفت الخليفة إلى الأب ويقول له : قم وتقرب إلى الله بقتل ابنك ، فترتعد
فرائص الأب عند القيام . لكن أحد الحضور يستدرك الأمر ويطلب من الخليفة
أن يعفي الأب من قتل ابنه ويكلف غيره للقيام بذلك . وفعلا يقتل الشاب .
هل هذا حكم الإسلام ؟ ! هل أمر الله بقتل من لم يحفظ كتابه ؟ ! .
والغريب في الأمر ، أن أحدا لم يعترض على الخليفة . أو ينبهه إلى أن ذلك
ليس حكم الإسلام ؟ ! بل الرجل الوحيد الذي تدخل ، فإنما رأفة بالأب الذي
أمر بتنفيذ حكم الإعدام في ابنه . .
إن نظام الخلافة الذي صنع له تراث ضخم من الأحاديث والتفسيرات
والتأويلات ، لا يمكن أن يكون هو النظام الذي كان الإسلام ينشده . فالإسلام
دين الإنسانية والعدل . أما ما هو مسطر في كتب التاريخ من يوميات الخلافة
السلفية بين أهل السنة والإمامية — صفحة 614
مساهمون: السيد محمد الكثيري
ص٦١٤