والمشرب . مما يجعل العوام تفتتن بهم وتروم اتخاذهم قدوة وأسوة . وما نجم
عن ذلك من تعطيل لرسوم الشريعة والمدنية على حد سواء .
وحتى هذا الفعل منهم والذي قد يعزى إليه السبب في حملة الشيخ
عليهم ، تجد له في كتاباته وصفا وشرحا ، فيه الكثير من الفهم والتبرير . أنظر
إلى قوله يصف هذه الأحوال : " فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو الموت
أو الجنون أو السكر أو الغناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك ، إذا كانت
أسبابها مشروعة وصاحبها صادقا عاجزا عن دفعها كان محمودا على ما فعله
من الخير وما ناله من الإيمان ، معذورا فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره ، وهم
أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من
الأسباب التي تتضمن ترك ما يحبه الله أو فعل ما يكرهه الله ، ولكن من لم
يزل عقله مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل منه
فهو أفضل منهم ( 53 ) .
ومن يقرأ هذا الكلام وغيره في فتاوى الشيخ وكتبه لا يشك في موضوعية
الشيخ وأنه قد أنصف القوم وتكلم بلسانهم . فهذا الذي قاله واصفا ، هو
أقصى ما يمكن أن يتفوه به من يروم الدفاع عن طريقة أهل التصوف
وسلوكهم وحالاتهم . بل لقد سجل قلمه قولا ، فصلا يمكن أن نضعه حدا أو
فيصلا في الصراع المرير القائم الآن بين الصوفية أصحاب الطرق التعبدية وبين
تلامذة ابن تيمية الجدد أي " السلفية " أو أتباع السلف .
يقول الشيخ : " من جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور
مذموما معيبا ممقوتا فهو مخطئ ضال مبتدع " ( 54 ) . وهذه الكلمات الثلاث
الأخيرة من كلام الشيخ هي نفسها الأوصاف المتداولة بين السلفيين اليوم
هامش
( 53 ) مجموع الفتاوى ، جمع وترتيب عبد الرحمن العاصمي النجدي ، مطبعة الرياض ، ط 1
ج 11 ص 5 . ضمن جوابه عن الصوفية أنظر عبد الحفيظ المكي ، ص 202 .
( 54 ) المرجع السابق ، نقلا عن المكي ، ص 205 .