الست يتصف بها المخلوق وهي " أمام وخلف ويمين وشمال وفوق وتحت "
وهذه جميعها في قبضته تعالى لقوله * ( وهو القاهر فوق عباده ) * وقد نزه الله
تعالى ذاته العلية عن المكان فقال : * ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) * .
وجاء في صحيح البخاري عنه عليه الصلاة والسلام : " إذا كان أحدكم
يصلي فلا يبصقن قبل وجهه . فإن الله قبل وجهه إذا صلى " ، ومعنى هذا أن
الله ليس في جهة الفوقية . . وقوله عليه الصلاة والسلام " أقرب ما يكون
العبد إلى الله تعالى في سجوده " فلو كان الله في جهة العلو لكان الإنسان
في سجوده أبعد ، فعلم من هذا أن الجهات كلها متساوية عند الله تعالى .
قال علي رضي الله عنه في هذا المعنى :
" إن الله قريب في بعده بعيد في قربه ، فوق كل شئ ، ولا يقال شئ تحته
وتحت كل شئ ولا يقال شئ فوقه تعالى جنابه أن يوصف بالاستقرار على
العرش أو التمكن أو المماسة ، فهو مستغن عن الكون والمكان . . . ولما سئل
الإمام أبو حنيفة وهو من التابعين عن قوله تعالى * ( الرحمن على العرش
استوى ) * قال : من حصر الله في الجهات الفوقية ، أو التحتية فقد كفر ، بل
الاستواء معلوم والإيمان به فرض والكيف مجهول " ( 28 ) ، وغير ذلك من
النصوص القرآنية والحديثية وآراء علماء السلف مما سنذكره مفصلا في محله .
وإذن فقول ابن تيمية بأن نصوص القرآن والسنة وآراء جميع علماء السلف
والصحابة والتابعين تؤيد اعتقاده بالجهة ليس له تفسير إلا ما قاله ابن
جهبل ( 29 ) المعاصر له : " وفي هذا الفريق " الحشوية السلفية " من يكذب على
هامش
( 28 ) هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى ، م س ، ص 108 - 109 - 110 ، بتصرف .
( 29 ) هو الشيخ شهاب الدين بن جهبل الحلبي الأصل ثم الدمشقي . درس فقه الشافعية
وتضلع فيه وامتحنه فيه كثير من المؤرخين كالذهبي وغيره . كان معاصر لابن تيمية يقوم
بالتدريس في مدارس دمشق ولما أعلن ابن تيمية عقيدته في الجهة وامتحنه الفقهاء ، قام
ابن جهبل بكتابة رسالة في الرد عليه سماها . " الحقائق الجلية في الرد على ابن تيمية فيما
أورده في الفتوى الحموية " ، ولد ابن جهبل سنة 670 وتوفي سنة 733 ه .