تمهيد
من ذا الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين ومن ذا الذي
يهون عليه ذكر ذلك ؟ فيا ليت أمي لم تلدني ، ويا ليتني مت قبل حدوثها
وكنت نسيا منسيا ( 1 ) . كلمات تكاد تنفطر حزنا وكمدا ابتدأ بها المؤرخ ابن
الأثير حديثه عن هجمة التتار على الدولة الإسلامية وما أحدثوه من خراب
ودمار ، كان له أبلغ الأثر في تقهقر الحضارة الإسلامية وانتكاستها .
انطلق الهجوم التتري على شرق الدولة الإسلامية ابتداء من ( سنة
603 ه ) ، وفي جمادى الأولى من ( سنة 666 ه ) كان هولاكو خان القائد
التتري يستعد لمغادرة بغداد بعد أن دخلها وخرب عمرانها وقتل عشرات
الألوف من أبنائها . إن سقوط بغداد دار الخلافة وعاصمتها بيد هؤلاء الهمج
المتوحشين قد أشاع الرعب والجزع في قلوب المسلمين في باقي الحواضر
الإسلامية والتي لم يصل التتر إليها بعد ، مثل الشام ومصر . ولربما كان لهذا
الخوف والهلع وما تناقله الهاربون من أخبار عن شراسة ودموية التتر أثره في
إثارة الهمم وإيقاظ العزائم الخائرة ، كي تهب ليس فقط دفاعا عن الأرض ،
ولكن لمواجهة موت شبه محتوم على أيدي هؤلاء الوحوش .
لقد بدأت طلائع الجيش التتري تشرف على مداخل الشامات بعد سقوط
بغداد ، بل إنهم وصلوا فعلا إلى عين جالوت وغزة في فلسطين . حيث كان
في نيتهم الاستيلاء على بلاد الشام ، لكن يد القدر تدخلت هذه المرة لصالح
المسلمين ، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . فالتفت الجماهير الخائفة من الموت حول
هامش
( 1 ) ابن الأثير ، الكامل في التاريخية ، ج 12 ص 358 ، بتوسط الملل والنحل ، ج 4 ص 16 .