وأخيرا
إن هذا التراث العقائدي الحشوي الموغل في التشبيه والتجسيم والذي جمع
في مصادر وكتب ، سيكتب له البقاء والحياة إلى يوم الناس هذا ، بفضل عناية
رجال تولوا حراسته وحفظه والدفاع عنه . بعدما احتضنته رحم المذهب الحنبلي ،
واعترفت السلطات في العالم الإسلامي بشرعية هذا المذهب وأحقيته في البقاء
والانتشار . فكان أن ظهر ابن تيمية الحراني وهو أحد الأبناء الشرعيين لهذا
المذهب ، فاطلع على ذلك التراث وفحصه وآمن به ، ومن ثم طفق يدعو له
ويجادل خصومه ويدافع عنه بكل الوسائل المشروعة والغير المشروعة ، حتى تمكن
من بعثه من جديد وقد كان يندرس ، فنفخ فيه من روحه وتولاه بعنايته .
وإذا كان هذا الحشو يفتقر إلى العقلانية في أكثر جوانبه في أكثر جوانبه فإنه سيقوم
بمحاولة عقلنته . أي الدفاع عنه في إطار جدلي يوهم المؤمن به أن لهذا الحشو
بناءات شرعية وعقلية ، وأن المضامين النهائية لما احتواه هذا التراث الضخم من
الحشو ، هي ما كان عليه الصحابة وسلف الأمة الصالح ، فهو الحق وغيره
الباطل لا محالة .
وإذا كانت هذه الحركة البعثية والتجديدية التي عرفها الحشو على يد ابن
تيمية الحراني وتلميذه ابن قيم الجوزية ، قد أحيط بها وأخمدت أنفاسها بعيد
موت هذين الشيخين بالذات ، فإن تراث الحشو كان له موعد آخر مع القدر
وذلك على يد حنبلي آخر هو محمد بن عبد الوهاب النجدي الذي
سيتخذ من هذا التراث - وخصوصا في قالبه الجديد الذي صنعه له أستاذه
ابن تيمية - منطلقا للدعوة إلى التجديد العام في الجزيرة العربية .