ممن عصاه - من لدن أن عصى تبارك وتعالى إلى أن تقوم الساعة - المعصية
وخلقهم لها ، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها . وكل يعمل لما خلق
له ، وصائر لما قضى عليه وعلم منه ، لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته . والله
الفاعل لما يريد ، الفعال لما يشاء . . .
ومن زعم أن الزنى ليس بقدر ، قيل له : أرأيت هذه المرأة ، حملت من الزنى
وجاءت بولد ، هل شاء الله عز وجل أن يخلق هذا الولد ؟ وهل مضى في سابق
علمه ؟ فإن قال : لا ، فقد زعم أن مع الله خالقا وهذا هو الشرك صراحا .
ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ، ليس بقضاء وقدر ،
فقد زعم أن هذا الإنسان قادر أن يأكل رزق غيره ، وهذا صراح قول المجوسية .
بل أكل رزقه وقضى الله أن يأكله من الوجه الذي أكله .
ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله عز وجل ، وأن ذلك ( ليس )
بمشيئته في خلقه ، فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله . وأي كفر أوضح من
هذا . بل ذلك بقضاء الله عز وجل وذلك بمشيئته في خلقه ، وتدبيره فيهم
وما جرى من سابق علمه فيهم . وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد ، ومن أقر
بالعم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقماءة " ( 195 ) .
مما لا شك فيه أن هذه العقائد لو تشبع بها العوام ، واعتقدتها الجماهير ، فإن
مآل المجتمع ككل للانحلال والتفسخ والانحطاط الحضاري العام ، لذلك نجد
ابن تيمية الحراني الحنبلي يرد على مثل هكذا اعتقاد حين يقول : " ومنهم من
يتكئ على القدر حتى يظن أن المعاصي والذنوب جارية عليه بمشيئة الله
وقدره ، فيسلم لها ظانا أن هذا هو حق المعرفة والرضا ! وهذا جهل كبير فلو
كان هذا عذرا لأحد لكان عذرا لإبليس ولكل كافر " ( 196 ) .
وإذا كانت مصادر الحشوية قد احتوت على زخم هائل من أحاديث الجبر
هامش
( 195 ) طبقات الحنابلة ، ج 1 ص 25 - 26 ، بتوسط بحوث في الملل والنحل ، ج 1 ص 160 .
( 196 ) العبادة وحقيقة العبودية ، عن ابن تيمية لصائب عبد الحميد ، ص 154 .