بن الحسين عليه السلام صدقات النبي صلى الله عليه وآله وصدقات
علي عليه السلام وكانتا مضمونتين ، فجاء عمرو بن علي إلى عبد الملك
بن مروان يتظلم منه في ذلك ، ويقول : أنا أحق منه بها .
فقال له عبد الملك : أقول كما قال ابن أبي الحقيق ( 1 ) : اني إذا
مالت دواعي الهوى . . . وأنشده الأربعة الأبيات المتقدم ذكرها .
ثم جاء بعد ذلك إلى ابنه الوليد طمعا فيه أن يوليه ذلك ، فأجابه
بما أجابه أبوه به .
[ نعود إلى ذكر العباس ]
وكان الذي ولي قتل العباس بن علي يومئذ يزيد بن زياد الحنفي ( 2 ) وأخذ
سلبه حكيم بن طفيل الطائي وقيل إنه شرك في قتله يزيد . وكان بعد أن قتل
اخوته عبد الله وعثمان وجعفر معه قاصدين الماء ( 3 ) . ويرجع وحده بالقربة
فيحمل على أصحاب عبيد الله بن زياد الحائلين دون الماء . فيقتل منهم ،
ويضرب فيهم حتى يتفرجوا عن الماء فيأتي الفرات فيملأ القربة ، ويحملها ،
ويأتي بها الحسين عليه السلام وأصحابه ، فيسقيهم حتى تكاثروا عليه ، وأوهنته
الجراح من النبل ، فقتلوه كذلك ( 4 ) بين الفرات والسرادق ، وهو يحمل الماء ،
هامش
( 1 ) وهو ربيع بن أبي الحقيق اليهودي .
( 2 ) وقيل يزيد بن زرقاء الجهني ( ابصار العين ص 30 ) .
( 3 ) وفي نسخة ز : لما قصد الماء بهم .
( 4 ) روى أبو عمر البخاري عن المفضل بن عمر ، أنه قال : قال الصادق عليه السلام : كان عمنا
العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الايمان جاهد مع أبي عبد الله وأبلى بلاء حسنا ، ومضى شهيدا ( عمدة
الطالب ص 349 ) .
وروي أنه دخل المعركة مرتجزا :
لا أرهب الموت إذ الموت رقا * حتى أواري في المصاليب لقا
نفسي لنفس المصطفى الطهر وفا * إني أنا العباس أغدو بالسقا
ولا أخاف السيئ يوم الملتقى
( المناقب 4 / 109 )
وقيل إنه قال أيضا :
أقاتل القوم بقلب مهند * أذب عن سبط النبي أحمد
أضربكم بالصارم المهند * حتى تحيدوا عن قتال سيدي
إني أنا العباس ذو التودد * نجل علي المرتضى المؤيد
فهزم القوم ودخل المشرعة وأراد أن يشرب الماء ، فذكر عطش الحسين عليه السلام فصب الماء من
يده ، ولم يشرب ، وملا القربة وخرج منها قائلا :
يا نفس من بعد الحسين هوني * من بعده لا كنت أن تكوني
هذا حسين شارب المنون * وتشربين بارد المعين
هيهات ما هذا فعال ديني * ولا فعال صادق اليقين
( ناسخ التواريخ 2 / 347 )
فكمن له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن طفيل ، فضربه على يمينه ، فقطعه ، وأخذ
السيف بشماله وحمل عليهم وهو يرتجز :
والله إن قطعتم يميني * إني أحامي أبدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين * نجل النبي الطاهر الأمين
فقاتل حتى ضعف ، فكمن له حكيم بن طفيل الطائي من وراء نخلة ، فضربه على شماله ، فقال :
يا نفس لا تخشي من الكفار * وأبشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار * قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا رب حر النار
فلما رآه الحسين صريعا على شط الفرات بكى ، وقال : الآن انكسر ظهري وشمت بي عدوي ، وأنشد
قائلا :
تعديتم يا شر قوم ببغيكم * وخالفتم قول النبي محمد
أما كان خير الرسل وصاكم بنا * أما نحن من نسل النبي المسدد
أما كانت الزهراء أمي دونكم * أما كان خير البرية أحمد
لعنتم واخربتم بما قد جنيتم * فسوف تلاقوا حر نار توقد
قال الإمام علي بن الحسين عليه السلام : رحم الله العباس ، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى
قطعت يداه فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب ،
وأن للعباس عند الله تعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة ( بحار الأنوار ط قديم 9 / 147 ) .
ونعم ما قال الشاعر :
بذلت يا عباس نفسا نفيسة * بنصر حسين عز بالنصر من قبل
أبيت التذاذ الماء قبل التذاذه * فحسن فعال المرء فرع من الأصل
فأنت أخو السبطين في يوم مفخر * وفي يوم بذل الماء أنت أبو الفضل