تعوض عنها تعويضا ، يهوي بصاحبها في مهاوي الهلكة والفضيحة . وكم
يعجبني أيضا أن يصور في هذه الحكم معنى النبل في القوة ، والسماحة
في القدرة .
أوليس قد جعل الهم والحزن ، في الشك والسخط ، والحزم ، في العمل
للمستقبل ، ونسيان الماضي وأخطائه ؟ وجعل التخريب النفسي الهدام ، فيما يورثه
الحسد لصاحبه ؟ أوليس قد جعل من التيه ، تعويضا عن شعور الإنسان
بحقارة نفسه ، فهو يحاول بمظاهر تيهه وكبريائه أن يخفي شعوره بالحقارة ؟
وقل مثل ذلك حين يحدثنا عن الأمن ، والعدل ، والخصب ويخوفنا
من جور السلطان ، وجار السوء ، والمرأة البذيئة في عصر كانت مصائر
الناس فيه مرتبطة بإرادة حاكم فرد .
وكم هو رقيق ولطيف حين يصر علينا ألا نبالغ في محاسبة الصديق
فنخسره ، والاغترار بعلمنا فننفضح ، والشدة في مداراة الناس فنقع في
رذيلة النفاق والممالاة .
وأخيرا يرسل الإمام مقياسه الدقيق لإنسانية الإنسان فيقول ما معناه :
أن إيثار الحق مع ضرره ، ومجانبة الباطل مع نفعه ، وللعمل في حدود
منطقنا وتفكيرنا هو شئ من الإيمان بل هو حقيقة الإيمان .
والخلاصة أن الإمام هنا إنما يضع بين أيدي الأحفاد خلاصة تجاربه ،
وكتاب حياته ، مرسلا عبر الدهور ، معلما ، وفيصلا بين الحق والباطل .
إنه في هذه الكلمات يبدو صاحب منهج علمي ورائد سلوك أخلاقي ،
وواضح قاعدة للعقلانية في ثقافة المسلمين ، وداعيا إلى الله ، بحق الله
الإمام الصادق ( ع ) ، علم وعقيدة — صفحة 194
مساهمون: رمضان لاوند
ص١٩٤