عن غيرهم ، فلو قام الرجل بعبء التحقيق لما كان عليه لوم فلو قال أبو زرعة مكان قوله الآنف الذكر : « إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه وتقواه حتى يأخذ دينه من الخِيَرة الصادقين ، ويحترز عن الآخرين ، فاعلم أنّه من جملة المحققين في الدين » لكان أحسن وأولى .
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً ، يريد التثبت في أُمور الدين والتحقيق في مطالب الشريعة ، بالزندقة ، وانّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة ، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المؤلفة من أصحابه « صلى الله عليه وآله وسلم » فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم ، وليس الدين قائماً بهذا الصنف من المجروحين « ما هكذا تورد يا سعد الإبل » .
7
منهجنا في تمحيص السنّة
قد عرفت أنّ منهج تلك الثلة من المحقّقين في الحكم على الأحاديث بالصحة أو السقم هو الأُصول المسلمة في علم أُصول الحديث ، ومصطلحه ، يعتمدون غالباً على الأسانيد دون المضامين وعلى تنصيص علماء الرجال كوثاقة الراوي وضعفه ، وربما يتعرضون لنكارة المتن وغرابته ولا يخرجون عن تلك الضوابط والقواعد الرائجة في مختلف العصور .
لكنّ هناك منهجاً علمياً آخر قلّ الالتفات إليه من قبل نقاد الحديث ، وهو عبارة عن عرض الحديث على الكتاب أوّلاً ، والسنة المتواترة أو المستفيضة التي تلقّاها الاعلام وجهابذة الحديث بالقبول ثانياً ، والعقل الحصيف الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه وخلفاءه ثالثاً ، والتاريخ الصحيح رابعاً ، واتّفاق الأُمّة خامساً .
الحديث النبوي بين الرواية والدراية — صفحة 53
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٣