المصالح والمفاسد التي تحدق بعسكره ، فإذا كان عمر قد اطّلع على ذلك فالنبي « صلى الله عليه وآله وسلم » أولى بالاطّلاع منه فكيف وقف الأوّل عليها دون أفضل الخليقة ؟ !
وثمة نكتة جديرة بالإشارة وهي انّ ما جاء في تلك الرواية ليس فريداً من نوعه بل تكرر ذلك في موارد أُخرى بنحو تُصوِّر انّ عمر كان أعلم من النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » وهذا النوع من الروايات نابع عن الإفراط في العاطفة تجاه الخليفة ، فلنذكر بعض الموارد .
المورد الأوّل : قتل الأسرى
أخرج الإمام أحمد عن أنس ( رض ) قال : استشار النبي الناس في الأُسارى يوم بدر ، فقال : إنّ اللّه أمكنكم منهم .
فقام عمر بن الخطاب ( رض ) فقال : يا رسول اللّه ، اضرب أعناقهم ؟ فأعرض عنه النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » فقال : يا أيّها الناس إنّ اللّه قد أمكنكم منهم وإنّما هم إخوانكم بالأمس . فقام عمر ، فقال : يا رسول اللّه اضرب أعناقهم ؟
فأعرض عنه النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » ثمّ عاد فقال مثل ذلك . فقام أبو بكر الصديق فقال : يا رسول اللّه نرى أن تعفو عنهم وان تقبل منهم الفداء . فعفا عنهم وقبل منهم الفداء ، فنزل ( لَولا كتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) الآية . ( 1 )
يلاحظ عليه أوّلاً : انّ هناك موضوعات عرفية ربما يستشير فيها النبي أصحابه لا لأجل الوقوف على ما هو الأصلح بل لأجل منحهم الشخصية ، يقول سبحانه : ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْر ) ( آل عمران / 159 ) . وربما تكون في المشاورة مصالح أُخرى كتعليم أصحابه كيفية معالجة المشاكل
هامش
1 - الدر المنثور : 4 / 104 والآية 68 من سورة الأنفال .