الأصحاب على ما استظهرناه من كلماتهم ، حتى أنّهم جعلوا الأصل في المسلم العدالة ، كما هو ظاهر عبارة الإسكافي المتقدّمة بل صريح عبارة الشيخ في الخلاف ( 1 ) كما عرفت ، وجعلوا فائدة ذلك الأصل سقوط اعتبار الفحص والتفتيش عن الباطن ، وقولهم هذا يحتمل وجهين : أحدهما : كون طريقيّة الإسلام مع عدم ظهور الفسق باعتبار إفادته الظنّ بالعدالة ، والآخر : كونه كالبيّنة أمارة تعبّدية بالعدالة ، وأيّاً ما كان فهو في غاية الضعف .
أمّا على الوجه الأوّل فلمنع تأثير مجرّد الإسلام في الظنّ بالعدالة ، فإنّها بمعنى الكيفيّة النفسانيّة صفة زائدة على الإسلام ، وباعتباره ينقسم المسلم إلى العادل والفاسق ، فيكون الإسلام أعمّ ، ولا يعقل كون الأعمّ مؤثراً في الظنّ بالأخصّ ، وانضمام القيد العدميّ إليه لا يجديه نفعاً في إفادة الظنّ لكونه أيضاً أعمّ ، سواء أخذنا ظهور الفسق بالمعنى المقابل لخفائه ، أو بالمعنى المرادف بخروجه من القوّة إلى الفعل .
أمّا على الأوّل فلأنّ عدم ظهوره بهذا المعنى قد يجامع وجود الفسق في الواقع مع خفائه على الأنظار ، ولقد عرفت أنّ العدالة على القول بالملكة هي
الملكة الملازمة للتقوى المؤثّرة في اجتناب الكبائر وسائر موجبات الفسق ،
لا مطلق الملكة ولو كانت مجامعة لموجب الفسق .
وأمّا الثاني فلأنّ لعدم خروج الفسق من القوّة إلى الفعل أسباباً كثيرة : أحدها الكيفيّة النفسانية التي هي خشية الله سبحانه ، والخوف من سخطه وعذابه على وجه يغلب على هوى النفس وشهوتها ومكيدة الشيطان ، وقد ينشأ عن خوف السلطان ومن يجري مجراه ، وعن خوف الافتضاح بين الناس ، وعن الاستحياء منهم ، وعن خوف السقوط عن درجة الاعتبار لديهم ، وعن فقد أسباب المعصية
أو بعض من شروطها أو نحو ذلك ، فيكون أعمّ من الأوّل .
هامش
( 1 ) الخلاف 3 : 216 المسألة 10 .