في المعنى فالجواب : أن الأمر إنما هو بلفظ المستقبل ، وهو تضرب وتخرج ، فإذا أمرت حذفت حرف المضارعة ، وبقيت حروف الفعل على بنيتها ، وليس كذلك زهيت فأنت تزهى ، ولا شغلت فأنت تشغل ، لأنك لو حذفت منه حرف المضارعة لبقي لفظ الفعل على بنية ليست للغائب ، ولا للمخاطب ، لأن بنية الأمر للمخاطب افعل ، وبنيته للغائب ، فليفعل ، والبنية التي قدرناها لا تصلح لواحد منهما ، لأنك كنت : تقول أزهى من زهيت ، وكنت تقول : من شغلت أشغل ، فتخرج من باب شغلت فأنت مشغول إلى باب شغلت غيرك ، فأنت شاغل ، فلم يستقم فيه الأمر إلا باللام .
وقوله : وميكالٌ فيا طيب الملاء أراد الملأ ، وليس من باب مد المقصور ، إذ لا يجوز في عصى عصاء ، ولا في رحى : رحاء في الشعر ، ولا في الكلام ، وإن كانوا قد أشبعوا الحركات في الضرورة ، فقالوا : في الكلكل الكلكال ، وفي الصيارف : الصياريف ، ولكن مد المقصود أبعد من هذا ، لأن زيادة الألف تغيير واحد ، ومد المقصور تغييران ، زيادة ألف وهمز ما ليس بمهموز ، غير أنه قد جاء في شعر
طرفة :
* وكشحان لم ينقص طواءهما الحبل *
لكنه حسنه قليلاً في بيت طرفه في أنه لم يرد الطوى الذي هو مصدر ، طوي يطوي : إذا جاع ، وخوي بطنه ، وإنما أراد : رقة الخصر ، وذلك جمال في المرأة ، وكمال في الخلقة ، فجاء باللفظ على وزن جمال وكمال ، وظهر في لفظه ، كان في نفسه ، والعرب تنحو بالكلمة إلى وزن ما هو في معناها ، وقد مضى منه كثير وسيرد عليك ما هو أكثر .
وأما الملأ والخطأ والرشأ والفرأ وما كان من هذا الباب ، فإن همزته تقلب ألفاً في الوقف بإجماع نعم ، وفي الوصل في بعض اللغات ، فيكون الألف عوضاً من الهمزة ، وقد يجمعون بين العوض والمعوض منه ، كما قالوا : هراق الماء ، وإنما كانت الهاء بدلاً من الهمزة ، فجمعوا بينهما ، وقالوا في النسب إلى فم : فموي ، وقالوا : في النسب إلى اليمن : يمني ، ثم قالوا : يمان ، فعوضوا الألف من إحدى الياءين ، ثم قالوا : يماني بالتشديد فجمعوا بين العوض والمعوض منه ، فيا طيب الملاء من هذا الباب ، وكذلك قولهم : الخطاء في الخطأ . قال الشاعر :
فكلّهم مستقبحٌ لصواب من * يخالفه مستحسنٌ لخطائه
وقد قال ورقة :
إلاّ ما غف * رت خطائيا
فإن قيل : فقد أنشد أبو علي في مد المقصور :
يا لك من تمرٍ ومن شيشاء * ينشب في المسعل واللّهاء
أراد : جمع لهاة . قلنا : يحتمل أن يكون كلاماً مولداً ، وإن كان عربياً ، فلعل الرواية فيه : اللهاء بكسر اللام ، فيكون من باب أكمة وإكام ، وقد ذكرها أبو عبيد في الغريب المصنف بالكسر والفتح .
شرح شعر أبي أسامة وذكر شعر أبي أسامة بن زهير الجشمي وفيه : وقد زالت نعا متهم لنفر .
العرب تضرب زوال النعامة مثلاً للفرار ، وتقول : شالت نعامة القوم ، إذا فروا وهلكوا . قال الشاعر :
يا ليت ما أُمّنا شالت نعامتها * إمّا إلى جنّة إمّا إلى نار
وقال أمية :
* اشرب هنيئاً فقد شالت نعامتهم *
والنعامة في اللغة : باطن القدم ، ومن مات فقد شالت رجله ، أي : ارتفعت ، وظهرت نعامته ، والنعامة
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر ) — صفحة 131
مساهمون: عبد الرحمن السهيلي
ص١٣١