فالمذكي الذي يذكي نار العداوة ، والحاطب الذي ينم ويغري كالمحتطب للنار ، ومن هذا
المعنى ، وكأنه منتزع منه قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يدخل الجنة قتات والقتات هو الذي يجمع القت ، وهو ما يوقد به النار من حشيش وحطب صغار .
الفرق بين الجيد والعنق
: وقوله : في جيدها ، ولم يقل : في عنقها ، والمعروف أن يذكر العنق إذا ذكر الغل ، أو الصفع ، كما قال تعالى : « إنَّا جَعَلْنا في أعناقهم أغْلاَلاً » يس ويذكر الجيد إذا ذكر الحلي أو الحسن ، فإنما حسن ههنا ذكر الجيد في حكم البلاغة ؛ لأنها امرأة ، والنساء تحلي أجيادهن ، وأم جميل لا حلي لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها ، فلما أقيم لها ذلك مقام الحلي ذكر الجيد معه ، فتأمله ؛ فإنه معنى لطيف ، ألا ترى إلى قول الأعشى :
يوم تبدي لنا * قتيلة عن جيد
ولم يقل : عن عنق ، وقول الآخر :
وأحسن من عقد * المليحة جيدها
ولم يقل : عنقها ، ولو قاله لكان غثاً من الكلام ، فإنما يحسن ذكر الجيد حيث قلنا ، وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى : « فَبَشِّرْهُمْ بعذابٍ أليم » آل عمران أي لا بشرى لهم إلا ذلك ، وقول الشاعر عمرو بن معدي كرب :
وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ * تحيّة بينهم كربٌ وجيع
أي : لا تحية لهم . كذلك قوله : في جيدها حبل من مسد ، أي : ليس ثم جيد يحلى ، إنما هو حبل المسد ، وانظر كيف قال : وامرأته ، ولم يقل : وزوجه ؛ لأنها ليست بزوج له في الآخرة ، ولأن التزويج حلية شرعية ، وهو من أمر الدين يجردها من هذه الصفة ، كما جرد منها امرأة نوح وامرأة لوط ، فلم يقل : زوج نوح ، وقد قال لآدم : « اسْكُنْ أنتَ وزوجُك » البقرة وقال لنبيه عليه السلام : « قل لأزواجك » ، وقال : « وأزواجه أُمهاتهم » ، إلا أن يكون مساق الكلام في ذكر الولادة والحمل ، ونحو ذلك ، فيكون حينئذ لفظ المرأة لائقاً بذلك الموطن ، كقوله تعالى : « وكانت امرأتي عاقراً » مريم « فأقبلت امرأته في صَرَّة » الذاريات لأن الصفة التي هي الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع لا من حيث كان زوجاً .
غلو في الوصف بالحسن فصل : وأنشد شاهداً على الجيد قول الأعشى :
يوم تبدي لنا قتيلة عن * جيدٍ أسيلٍ تزينه الأطواق
وقوله : تزينه أي : تزيده حسناً ، وهذا من القصد في الكلام ، وقد أبى المولدون إلا الغلو في هذا المعنى ، وأن يغلبوه فقال في الحماسة حسين بن مطير الأسدي :
مبلّلة الأطراف زانت عقودها * بأحسن ممّا زينتها عقودها