يدخل على الفعل ، فنقول : ليس يخرج زيد ، والفعل لا يدخل على الفعل عقلاً ونقلاً ، وقول من قال إن * ( ليس ) * داخل على ضمير القصة والشأن وهذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف ، فإنه لو جاز ذلك جاز مثله في * ( ما ) * وثالثها : أن الحرف * ( ما ) * يظهر معناه في غيره ، وهذه الكملة كذلك فإنك لو قلت : ليس زيد لم يتم الكلام ، بل لا بد وأن تقول ليس زيد قائماً ورابعها : أن * ( ليس ) * لو كان فعلاً لكان * ( ما ) * فعلاً وهذا باطل ، فذاك باطل بيان الملازمة أن * ( ليس ) * لو كان فعلاً لكان ذلك لدلالته على حصول معنى السلب مقروناً بزمان مخصوص وهو الحال ، وهذا المعنى قائم في * ( ما ) * فوجب أن يكون * ( ما ) * فعلاً فلما لم يكن هذا فعلاً فكذا القول ذلك ، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فنقول : * ( ليس ) * كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت * ( ما ) * في نفي الفعلية وخامسها : إنك تصل * ( ما ) * بالأفعال الماضية فتقول : ما أحسن زيد ولا يجوز أن تصل * ( ما ) * بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك سادسها : أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل ، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل .
فإن قيل : أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه وألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف للزومه حالة واحدة ، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها ، وجعلوا للبناء الذي خصوه به ماضياً ، لأنه أخف الأبنية .
قلنا : هذا كله خلاف الأصل ، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف ، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات ، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضاً خلاف الأصل فذاك فاسد جداً وسابعها : ذكر القتيبي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا ، و : أيس ، أي موجود قال ولذلك يقولون : أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود ، وأيسته أي وجدته وهذا نص في الباب ، قال وذكر الخليل أن * ( ليس ) * كلمة جحود معناها : لا أيس ، فطرحت الهمزة استخفافاً لكثرة ما يجري في الكلام ، والدليل عليه قول العرب : ائتني به من حيث أيس وليس ، ومعناه : من حيث هو ولا هو وثامنها : الاستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر ، وهذا إنما يفيد السلب أو لا يكون فعلاً ، فإن قيل : ينتقض قولكم بقوله : نفى زيداً وأعدمه ، قلنا : قولك نفى زيداً مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها ، فلم يكن السؤال وارداً ، وأما القائلون بأن * ( ليس ) * فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن * ( ليس ) * قد يجيء لنفي الماضي كقولهم : جاءني القوم
تفسير الرازي — صفحة 39
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٩