قاطعاً في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله : * ( مثنى وثلاث ورباع ) * ( النساء : 3 ) وكما في قولهم : جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا ، فالله تعالى ذكر قوله : * ( عشرة كاملة ) * إزالة لهذا الوهم النوع الثاني : أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالاً من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائماً مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله ، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله : * ( كاملة ) * كأنه لو قال : تلك كاملة ، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة ، أو السبعة المفردة عن الثلاثة ، فلا بد في هذا من ذكر العشرة ، ثم اعلم أن قوله : * ( كاملة ) * يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها : أنها كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه وثانيها : أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي بالهدي من القادرين عليه وثالثها : أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملاً ، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع .
النوع الثالث : أن الله تعالى إذا قال : أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام ، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف ، فلو قال : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصاً بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصاً على أن هذا المخصص لم يوجد البتة ، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد .
النوع الرابع : أن مراتب الأعداد أربعة : آحاد ، وعشرات ، ومئين ، وألوف ، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركباً أو مكسوراً ، وكون العشرة عدداً موصوفاً بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف ، فصار تقدير الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عدداً موصوفاً بصفة الكمال خالياً عن الكسر والتركيب .
النوع الخامس : أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله : * ( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) * ( الحج : 46 ) وقال : * ( ولا طائر يطير بجناحيه ) * والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملاً على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها ، وإذا كان التوكيد مشتملاً على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة .
تفسير الرازي — صفحة 171
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧١