تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) * ( البقرة : 124 ) أي فعلهن على سبيل التمام والكمال ، وقوله تعالى : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * ( البقرة : 187 ) أي فافعلوا الصيام تاماً إلى الليل ، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول من قال : المراد فأشرعوا في الصيام ثم أتموه ، لأن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار ، وعلى التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه فثبت أن قوله : * ( وأتموا الحج ) * يحتمل أن يكون المراد منه الإتيان به على نعت الكمال والتمام فوجب حمله عليه ، أقصى ما في الباب أنه يحتمل أيضاً أن يكون المراد منه أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه ، إلا أن حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، ويدل عليه وجوه الأول : أن حمل الآية على الوجه الثاني يقتضي أن يكون هذا الأمر مشروطاً ، ويكون التقدير : أتموا الحج والعمرة لله إن شرعتم فيهما ، وعلى التأويل الأول الذي نصرناه لا يحتاج إلى إضمار هذا الشرط ، فكان ذلك أولى والثاني : أن أهل التفسير ذكروا أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الحج فحملها على إيجاب الحج أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع فيه الثالث : قرأ بعضهم * ( وأقيموا الحج والعمرة لله ) * وهذا وإن كان قراءة شاذة جارية مجرى خبر الواحد لكنه بالاتفاق صالح لترجيح تأويل على تأويل الرابع : أن الوجه الذي نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة ، ويفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما ، والتأويل الذي ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب ، فكان الذي نصرناه أكبر فائدة ، فكان حمل كلام الله عليه أولى الخامس : أن الباب باب العبادة فكان الاحتياط فيه أولى ، والقول بإيجاب الحج والعمرة معاً أقرب إلى الاحتياط ، فوجب حمل اللفظ عليه السادس : هب أنا نحمل اللفظ على وجوب الإتمام ، لكنا نقول : اللفظ دل على وجوب الاتمام جزماً ، وظاهر الأمر للوجوب فكان الإتمام واجباً جزماً والاتمام مسبوق بالشروع ، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب ، فيلزم أن يكون الشروع واجباً في الحج وفي العمرة السابع : روي عن ابن عباس أنه قال : والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله ، أي إن العمرة لقرينة الحج في الأمر في كتاب الله يعني في هذه الآية فكان كقوله : * ( أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) * ( البقرة : 43 ) فهذا تمام تقرير هذه الحجة . فإن قيل : قرأ علي وابن مسعود والشعبي * ( والعمرة لله ) * بالرفع وهذا يدل على أنهم قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب . قلنا : هذا مدفوع من وجوه الأول : أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة المتواترة ، الثاني : أن فيها ضعفاً في العربية ، لأنها تقتضي عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية الثالث : أن قوله : * ( والعمرة لله ) * معناه أن العمرة عبادة الله ، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي وجوبها ، وإلا وقع